تجار الشهادات وفوضى دكاكين الصيدلة
محمد الربيعي
بينما تضع دول العالم خططا عشرية لضبط مخرجات التعليم العالي بما يتوافق مع نموها السكاني واحتياجاتها الصحية، يبدو ان العراق يسير في الاتجاه المعاكس تماما. ففي مشهد يثير الريبة، تحولت مهنة الصيدلة من ركن اساسي في المنظومة العلاجية الى «سلعة استثمارية» تدر ارباحا طائلة على حساب جودة التعليم ومستقبل الخريجين، وسط صمت مريب من الجهات التخطيطية.
تبدا جذور الازمة من اروقة كليات الصيدلة الاهلية، التي انتشرت كالفطر في السنوات الاخيرة. هذه المؤسسات، التي يفترض ان تكون روافد علمية، باتت تعمل بعقلية «الشركات التجارية»، حيث تضغط لرفع سقف القبول السنوي الى ارقام خيالية لا تستند الى دراسة واقعية لحاجة السوق. والهدف هنا واضح: تحقيق اقصى ربح ممكن من الاجور الدراسية.
ان تشجيع هذه السياسات الخاطئة يعكس غياب التنسيق بين وزارة التعليم العالي ووزارة الصحة، اذ يتم تخريج الالاف سنويا دون وجود «خريطة طريق» لاستيعابهم، مما يخلق فائضا بشريا هائلا يؤدي بالضرورة الى انهيار القيمة المهنية والمادية للصيدلي.
نسبة سكانية
ادى هذا الانفجار العددي الى تشوه حضري ومهني مخيف. وتتجلى أزمة التخطيط في العراق عند وضع كفة الميزان الرقمي أمام المعايير العالمية، حيث يسجل العراق كثافة صيدليات تبلغ 95.6 صيدلية لكل 100 ألف نسمة، وهو رقم يصدم المراقب عند مقارنته بالمملكة العربية السعودية التي تكتفي بـ 31.6 صيدلية لتلبية احتياجات سكانها، ويتعاظم الفارق أكثر أمام النظم الصحية العريقة كما في المملكة المتحدة والولايات المتحدة التي تستند إلى 18 - 19 صيدلية فقط بذات النسبة السكانية، مما يعني أن الكثافة في العراق تجاوزت خمسة أضعاف المعدلات المتبعة في الدول المتقدمة، وهذا التضخم لا يعكس وفرة في الرعاية الصحية بل يؤكد وجود انفجار كمي غير مدروس قادته سياسات الاستثمار في التعليم الأهلي، ليتحول الدواء من رسالة علمية إلى سلعة تجارية في سوق مشبعة تفتقر لأدنى ضوابط التوازن بين مخرجات الكليات وحاجة المجتمع الفعلية. وهذا الانتشار العشوائي لم ياتِ لخدمة المريض في المناطق النائية، بل تركز في المراكز التجارية ليزاحم محلات البقالة، مما حول الصيدلية في نظر المجتمع الى ما يشبه «الدكان الانيق».
ان الخطورة تكمن في ان هذا التوسع ليس استجابة لحاجة طبية، بل هو نتاج لـ «شعور مجتمعي زائف» يرى في مهنة الصيدلي برستيجا اجتماعيا ارقى من المهن الاخرى. وقد استغلت الكليات الاهلية هذا الاندفاع العاطفي للعوائل العراقية، لتبيعهم «اوهام النجاح» في تخصص بات يعاني من تخمة قاتلة.
ان ترك «الحبل على الغارب» للقطاع الخاص انتج واقعا مريرا يتلخص في ثلاث نقاط سوداء:
1. تسليع الشفاء: الصيدلي الذي يواجه منافسة شرسة في شارع يضم عشر صيدليات متجاورة، يجد نفسه مضطرا لتبني استراتيجيات تسويقية لضمان سداد ايجاره المرتفع، مما يهمش دوره كخبير دوائي ويحوله الى «بائع» يسعى لتصريف البضاعة.
2. انفلات الرقابة: ان تكاثر الصيدليات بهذا الشكل الجنوني يجعل من مهمة الرقابة الصحية «مهمة مستحيلة»، مما يفتح ثغرات واسعة لدخول الادوية المهربة او منتهية الصلاحية بعيدا عن اعين الرقابة.
3. اهدار الثروة البشرية: نحن امام جيل من الصيادلة الشباب الذين انفسهم في مواجهة «بطالة مقنعة»، حيث لا تتوفر لهم فرص عمل حقيقية تليق بسنوات دراستهم وتعب عوائلهم.
هل من مغيث؟
ان ما يحدث اليوم هو عملية «تدمير ممنهج» لمهنة الصيدلة تحت لافتة الاستثمار في التعليم. الاصلاح لا يبدا من تقليل عدد الصيدليات فحسب، بل يبدا من ثورة في معايير القبول بالاقسام الطبية الاهلية، وفرض قيود صارمة تربط منح الاجازات بالحاجة الجغرافية والسكانية الحقيقية.
بدون تدخل جراحي عاجل، سيظل العراق يدفع ثمن هذه السياسات المرتجلة، ليبقى «الدكان» هو السيد، وتغيب «الخدمة الطبية» خلف دخان الربح السريع.