الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
حرب الذكاء الإصطناعي تهزم حرب التلفزيون

بواسطة azzaman

أمام الشاشة في العدوان على العراق

حرب الذكاء الإصطناعي تهزم حرب التلفزيون

سعدون الجنابي

 

ففي الاولى كنت انا في اتون الأحداث اساهم في رصد الأحداث وتوثيقها لحظة حدوثها من ساحة المعركة، والعالم كله كان يجلس جلستي هذه ليتابع تطور الأحداث وما صورته الشبكات التلفزيونية بمساعدتنا لها، من لقطات ودقائق تصوير او حتى ساعات ، اما في الثانية هذه الأيام،  فانا كهل ليس لي الا الجلوس ورصد الأحداث كما تعرضه الشاشات واعرف ان اللقطات يتم عرضها بعد ان تحدث بفترة.

تلفزيونات العالم

وكانت ميزة حرب الخليج 1991 ، هي انها اول حرب عالمية في التاريخ نقلت  احداثها على الهواء مباشرة الى شاشات تلفزيونات العالم ، وشاهدها المشاهدون في اصقاع المعمورة وهم جالسون في بيوتهم وعيونهم على شاشات التلفزيون.

واقصى تكنولوجيا بالحرب كانت الانمارسات ..او الهاتف الجوال عبر شبكات الهاتف …واول مرة أراه عندما بدأت حرب  الخليج 1991…ونزل مراسلو  تلفزيون ال BBC

وتبعهم مراسل ومهندس ألــــ CNN  وهم يحملون شنطة سفر ، وما ان فتحت ظهرت شبكة اتصال كالمظلة وجهاز هاتف للاتصال.

وشهدت تلك الحرب بلوغ عملاق تلفزيوني اسمه CNN

كسر أرقام المشاهدة بملايين  المشاهدين من كل انحاء العالم.

وكذلك شهدت حرب 1991 بزوغ نجم مراسل ال CNN

بيتر آرنيت (الذي توفى مؤخرا ) ، وانا تابعته عن قرب ، كان صادقا في نقل الأحداث التي رآها على الأرض كما كان يردد دائما ، وصل به الامر انه تقاطع مع ما يذكره المسؤولون في أميركا عن هذا الاستهداف او ذاك ، لا بل تقاطع مع كبار المسؤولين في اميركا الذين ذكروا ان معمل حليب الأطفال معمل بايولوجيا، وهو اصر على انه معمل حليب اطفال ، لأننا عندما زرناه ساعتين بعد القصف ، أعطيت حرية التجوال لبيتر وشاهد بعينه أكياس حليب الأطفال من نوع بلادي مكومة على الأرض جراء القصف ورفع وثائق وخرائط المعمل من الارض وصور اسم الشركة التي صنعت المعمل  ، وسألني: أمسموحٌ اخذ عينة من الأكياس،  قلت طبعا، فأخذ اثنتين ووقف فوق الأكياس وهي متناثرة على الأرض ، طلب تصويره وهو واقف وقدم تقريره:

اليوم تم استهداف معمل لحليب الأطفال،  وقام بفتح احد الأكياس ووضع كمية من الحليب بيده وبلعها اما الشاشة …طبعا هذه اللقطة لم تعرض. واخذ كيسين من الحليب معه من المعمل. وبعد انتهاء الحرب غادر بيتر وحرص ان اكون انا آخر من يودعه…وعندما وصل الى اميركا استضافه نادي الصحافة الوطني في واشنطن العاصمة في ندوة مفتوحة امام كل صحفي ومراسلو اميركا ، وأشعر بالفخر انه مدحني شخصيا بالقول …انني كنت اراجع واصحح ما يكتبه نحويا ولغويا …وامام الصحفيين والمراسلين اخرج كيسي الحليب وفتح أحدهما وعمل حليباً وشاياً وشربه…ودعا الجميع لذلك…. رحم الله بيتر.

كنت في  حرب 1991 ، المشرف الميداني لعمل الصحفيين والشبكات التلفزيونية العربية والأجنبية ومدير المركز الاعلامي الاول في فندق الرشيد….وكان معي للعمل مع الاجانب كمرافقين لتسهيل اعمالهم ، العديد من زملائي من موظفي وزارة الثقافة والاعلام  الذين يتقنون التحدث والكتابة والقراءة باللغات الانكليزية والفرنسية والاسبانية..

وتغطية الحروب فيها لحظات حزينة ولحظات مفرحة…والأهم كانت مدرسة لي تعلمت فيها الكثير.في صباح اليوم الأول لبدء  القصف،  طلب منتج فريق ال  CNN و فريق BBC  القيام بجولة في بغداد دون فريق تصوير فقط المنتجة  لاحدهما والمنتج للثاني. وطلبت الأذن من مديري استاذ ناجي الحديثي ، ووافق على ان اقوم انا بمرافقتهما. واستغرقت الجولة ثلاث ساعات ونصف.

منطقة المسبح

في صباح اليوم الثاني لبدء القصف ، تم توجيهي بمصاحبة  الصحفيين الاجانب والشبكات ، لتصوير قصف صاروخي اصاب سدة الناظمية  والمساكن  قربها في منطقة المسبح في المنطقة القريبة ما بين مسبح الأمانة  لغاية نادي المصارف

وما ان وصلنا وبدأت الكاميرات تدور لتصوير الأضرار الكبيرة …لاحظنا امرأتين  بالتراكسوت  كأنما هما مرعوبتان ، ويبدو انهما كانتا نائمتين اثناء القصف …ما ان اقتربتا عرفت أحداهما  ست آسيا الطريحي  ،وهي مترجمة تعمل معنا في دار المأمون للترجمة والنشر، فسلمت عليها ، وطلبت منها التحدث للصحفيين الاجانب بالإنكليزية فوافقت ، وعرفتني على شقيقتها ست سهى الطريحي الدبلوماسية والمترجمة هي ايضا ، اي لا مشكلة لديهما للتحدث بالانكليزية دون ترجمة ، وكانت ست سهى في قمة الانفعال وفقدان الاعصاب….و مع ذلك وافقت ان تتحدث للصحفيين هي ايضا.واقترب الصحفيون منهما لتسجيل الحوار ، كان اقرب شخص منهما هو احد المرافقين العراقيين من موظفي الوزارة ، واسمه خلدون مرافق الشبكة التلفزيونية الفرنسية TF1..  ، وكان يحمل مايك او سماعة التسجيل للصوت بيده كمساعدة للفريق  ، فانفجرت ست سهى صارخة بالانكليزية  ضد اخ خلدون: ماذا فعلنا لكم لكي تدمرونا هكذا وتقتلون اطفالنا …  ولطمته على وجهه ظنا منها انه المراسل لأنه كان ابيض البشرة، وبعينين ملوّنتين وشعر أصفر.. فلطمته بوجهه… فصرخت بها لا يا ست سهى هذا مرافق من الاعلام  ، وكان رد فعل خلدون ان صرخ بوجهها …. انا عراقي مثلك ….ليش تضربيني هكذا.. فذهلت ست سهى ….وانفجر الجميع بالضحك بضمنهما الشقيقتان ست آسيا وست سهى، رحمهما الله…والصحفيون الاجانب ايضا ضحكوا  بعد الترجمة لهم…وانا ذاكر هذه الحادثة في كتابي مذكرات صحفي في فندق الرشيد.أعود لربط هذه الحادثة بالجلوس ومشاهدتها على التلفزيون فالفرق كبير قطعا بالتقرير الذي شاهده العالم عن قصف سدة الناظمية ، وما بين ما حدث فعلا على الأرض اثناء التصوير،  طبعا  لم يتم ذكر الحادثة واللطمة والصراخ والضحك كما حدث فعليا ، بل كل ما ظهر آثار القصف المعادي ، لأني قطعا كنت سأمنع ادخال هذه اللقطات بعد المونتاج بالتقرير الذي سيبث على الهواء.

هنا تساءلتُ مع نفسي من خبرتي السابقة ،  كم هي اللقطات  التي حذفها الرقيب الفني في هذه الشبكة التلفزيونية او تلك ، بمقصه في مختلف الحروب ..، فالمشاهد يرى ثواني او دقائق من تصوير قد يستمر لساعة .

 


مشاهدات 137
الكاتب سعدون الجنابي
أضيف 2026/03/14 - 1:27 AM
آخر تحديث 2026/03/14 - 10:30 PM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 842 الشهر 12183 الكلي 15004252
الوقت الآن
السبت 2026/3/14 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير