الفنان والضمير.. هل يكون جباناً؟
صالح رضا
ليس الفنان مجرد صانع جمال، بل هو ضميرٌ حيٌّ لعصره، وشاهدٌ أخلاقي على ما يجري في العالم من عدلٍ أو ظلم. ولهذا يبرز السؤال الكبير: هل يمكن أن يكون الفنان جباناً؟
إن الجبن قد يحفظ للفنان هدوءه ومكانته، لكنه يسلبه جوهر رسالته؛ لأن الفن الحقيقي لا يُولد من الخوف، بل من الصدق، والصدق يحتاج إلى شجاعةٍ أخلاقية قبل أن يحتاج إلى موهبةٍ فنية. كثير من المثقفين عبر التاريخ رفضوا جوائز كبرى، ليس استهانةً بالتكريم، بل اعتراضاً على ظلمٍ وقع على شعوبهم، أو رفضاً لحربٍ ظالمة، أو دفاعاً عن كرامة الإنسان. لقد أدركوا أن قبول الجائزة في لحظةٍ مشحونة بالدم والألم قد يتحول إلى صمتٍ مؤلم، وأن الصمت أحياناً خيانةٌ غير معلنة للحقيقة. وهنا يتجسد نبل الفنان أو الكاتب؛ حين يختار موقفه الأخلاقي على حساب المجد الشخصي.ولعل أبرز مثال على شجاعة الموقف الفني هو الفنان العالمي ، الذي واجه مأساة مدينته بالفن لا بالسلاح. فعندما تعرّضت مدينة للقصف الوحشي عام 1937 خلال الحرب الأهلية الإسبانية، لم يكتفِ بيكاسو بإدانة لفظية، بل رسم لوحته الشهيرة «غرنيكا» لتكون صرخة إنسانية مدوية ضد الحرب والعنف. تحوّلت اللوحة إلى رمز عالمي لمعاناة المدنيين، وإلى شهادة فنية خالدة على أن الفنان الصادق يستطيع أن يحوّل الألم إلى ذاكرة بصرية لا تموت. واليوم تُعرض نسخة من هذه اللوحة في مقر ، وكأنها تذكير دائم لقادة العالم بأن الفن قد يكون أصدق من السياسة في الدفاع عن الإنسان.
إن الفنان الذي يخشى قول الحقيقة يفقد جزءاً من روحه الإبداعية؛ لأن الفن، في جوهره، موقف. قد يكون هذا الموقف هادئاً، رمزياً، أو جمالياً، لكنه في النهاية انحيازٌ للإنسان وللحياة. فالفنان لا يُقاس بعدد المعارض أو الجوائز، بل بقدرته على أن يقول «لا» حين يفرض الضمير ذلك، وأن يختار الصدق حتى لو كان مكلفاً.ومع ذلك، ليست الشجاعة صخباً دائماً، وليست الجرأة تهوّراً. فالفنان الحكيم يوازن بين قوة الموقف وعمق الرمز، فيجعل فنه رسالة إصلاح لا وسيلة هدم، وصوتَ وعيٍ لا صرخة فوضى. الشجاعة الحقيقية هي أن تبقى أميناً للحقيقة دون أن تفقد إنسانيتك، وأن تكتب أو ترسم لتداوي الجرح لا لتوسّعه. لهذا فإن السؤال (هل يكون الفنان جباناً؟) يقودنا إلى حقيقةٍ أعمق:الفنان قد يخاف، لكنه لا يستسلم للخوف،وقد يصمت لحظةً، لكنه لا يساوم على ضميره،وقد يخسر جائزة، لكنه يكسب خلود الموقف.إن الفن بلا شجاعة يصبح زينةً صامتة،أما الفن الصادق فهو ذاكرة الشعوب،وصوتها حين تُحاصر،ووجدانها حين يعمّ الصمت.