الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
جامعاتنا العربية ونادي الألف العالمي.. هل نحن خارج حدود المنافسة الحقيقية؟

بواسطة azzaman

جامعاتنا العربية ونادي الألف العالمي.. هل نحن خارج حدود المنافسة الحقيقية؟

محمد الربيعي

 

أثار ما طرحه الزميل الأستاذ حسن عبد الله من مدريد عبر منصات التواصل الاجتماعي شجناً أكاديمياً قديماً متجدداً، حين استعرض نتائج تصنيف Webometrics Rankings العالمي لعام 2026. هذا التصنيف، الذي لا يقيس جدران الجامعات بل حضورها الرقمي وتأثير أبحاثها في الفضاء الإلكتروني، كشف عن حقيقة صادمة: غياب تام للجامعات العربية عن قائمة المائتين الأوائل عالمياً وغياب كبير عن قائمة الالف العالمي. تساءل الأستاذ حسن بمرارة: هل الفجوة بيننا وبين الكبار مجرد «عائق تقني» في المنصات الرقمية؟ 

أم هو نقص في التمويل؟ ولماذا تحولت صروحنا العلمية إلى مجرد قاعات لإلقاء المحاضرات ومنح الشهادات؟

 هذه التـــساؤلات لم تكن مجرد استفهام، بل كانت وضعاً للإصبع على جرح غائر في جسد التعليم العالي العربي، ومن هنـــــا تأتي قراءتي وتحليلي لهذه المعضلة التي تتجاوز الشكليات لتغوص فــــــــي صـلب «بنـــــية المـــــعرفة» لديـــنا.

1. العائق ليس «برمجياً»

يعتقد البعض أن تحسين ترتيبنا يتطلب مصممين بارعين للمواقع الإلكترونية، لكن الحقيقة أن الظهور الرقمي في تصنيف «ويبومتركس» هو انعكاس للنشاط وليس مجرد تصميم واجهة. المشكلة تكمن في غياب ثقافة «الوصول الحر» (Open Access). فبينما تحول الجامعات العالمية مواقعها إلى مستودعات بحثية مفتوحة، لا تزال جامعاتنا تتعامل مع مواقعها كمنصات إعلامية لنشر صور الفعاليات، بينما يظل نتاج الباحث العربي حبيس مجلات محلية مغلقة لا تظهر في الرادارات العالمية.

2. التمويل والحرية الاكاديمية

حين سأل الأستاذ حسن: هل ينقصنا المال؟ أقول إن المشكلة مزدوجة؛ هناك ضعف حاد في التمويل في دول، وسوء إدارة في دول أخرى. لكن الأخطر من نقص المال هو انعدام الحرية الأكاديمية.

البحث العلمي يحتاج إلى بيئة «آمنة» فكرياً، حيث لا يُخشى من نقد السائد أو استكشاف المجهول. بدون استقلال مالي وإداري حقيقي، وبدون مناخ يضمن للأكاديمي حريته في التفكير والتجريب، سيظل العقل العربي مكبلاً، ولن يجرؤ الباحث على تجاوز الخطوط المرسومة سلفاً.

3. النوعية لا الكمية

لقد سقطت أغلب جامعاتنا في فخ «الكمية» لأغراض الترقية، مما أنتج سيلاً من الأبحاث الضعيفة التي لا تُقرأ ولا تُقتبس. والحل هنا يكمن في قاعدة صارمة: ربط ترقيات أعضاء هيئة التدريس حصراً بنوعية النشر (Quality) لا بكميته (Quantity). يجب أن يكون المعيار هو النشر في المجلات المصنفة عالمياً ضمن الفئات العليا (Q1 و Q2) وزيادة الاستشهادات (Citations). هذا التحول يتطلب بالضرورة توفير تمويل حكومي أو خارجي سخي للبحث؛ فلا يمكن مطالبة الباحث بالتحليق في فضاء التميز العالمي وهو لا يملك ثمن المواد المختبرية أو رسوم النشر الرصين.

4. لماذا تفوقت الجامعات الناشئة؟

من الملاحظات الذكية التي طرحها الأستاذ حسن هي تفوق جامعات ناشئة على أخرى عريقة. والسر هنا يكمن في «المرونة مقابل الترهل». الجامعات العريقة (كجامعة القاهرة وبغداد ودمشق) تعاني من «إرث بيروقراطي» ثقيل وكثافة طلابية خانقة تجعل التغيير فيها ببطء السلحفاة. في المقابل، بدأت الجامعات الناشئة من حيث انتهى الآخرون؛ تبنت معايير الجودة العالمية، واعتمدت الإنجليزية لغة للبحث، واستقطبت العقول بمعايير تنافسية بعيداً عن قيود التوظيف الحكومي التقليدي.

5. لماذا يلمع في الخارج وينطفئ في الداخل؟

إن إبداع الباحث العربي في الخارج ليس لأنه أصبح «أذكى»، بل لأن هناك «منظومة» (Ecosystem) توفر له الدعم اللوجستي والتقدير المادي والمعنوي، وقبل كل ذلك الحماية الأكاديمية. في الخارج، يُعامل الباحث كقائد للتغيير، بينما في الداخل قد يُعامل كـ «موظف فئة أولى» مكبل بمهام إدارية مملة وانتظار لمناقصات الأجهزة لشهور طويلة.

الخلاصة: الثورة المطلوبة

إن الحل لا يبدأ بتجميل المواقع، بل بـ ثورة إدارية شاملة تمنح الجامعات استقلالاً حقيقياً، وتحمي الحرية الأكاديمية، وتدعم البحث العلمي بتمويل مستدام يهدف للنوعية لا للكم.

نحن لسنا خارج المنافسة بسبب «نقص في الذكاء»، بل بسبب «مركزية القرار» وغياب البيئة المحفزة. إن تحويل البحث العلمي من رفاهية أكاديمية إلى ضرورة وجودية هو السبيل الوحيد لكسر طوق التخلف الأكاديمي واللحاق بنادي الألف العالمي.

بروفسور متمرس ومستشار دولي، جامعة دبلن

 

 

 


مشاهدات 57
الكاتب محمد الربيعي
أضيف 2026/03/07 - 1:44 AM
آخر تحديث 2026/03/07 - 8:37 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 397 الشهر 5828 الكلي 14959897
الوقت الآن
السبت 2026/3/7 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير