الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
المكابرة والعناد السياسي

بواسطة azzaman

المكابرة والعناد السياسي

محمد خضير الانباري

 

   في عالمِ السياسة، لا تصنعُ الحلولُ بحسنِ النياتِ وحدها، ولا تقاسُ صلابةُ المواقفِ بحدةِ التمسكَ بها فثمةَ خيطٌ دقيقٌ يفصلُ بينَ الإصرارِ المشروعِ والعنادِ المكلف، خيطٌ قدْ يلتبسُ على بعضِ الفاعلينَ في المشهدِ العام. وعندما يتحولُ التمسكُ بالموقفِ إلى رفضٍ قاطعٍ لكلِ تسوية، تدخلُ الأوطانِ في نفقِ الجمود، وتتراكمَ الأزماتُ حتى تغدوَ أثقلَ منْ أنْ تحتمل، وأعصى على الاحتواء.     إنَ المكابرةَ والعنادَ في السياسةِ ليسا مجردُ اختلافٍ في وجهاتِ النظر، بلْ حالةً منْ الانغلاقِ الذهنيِ تقصيَ الحوار، وتعطلَ مساراتِ التفاهم، وتدفعَ بالخلافِ الطبيعيِ إلى هاويةِ الصراعِ الدائم. وقدْ أثبتتْ تجاربَ دولٍ عديدةٍ أنَ الإصرارَ غيرُ المرنِ قدْ يمنحُ السياسيُ نصرا عابرا في ساحةِ الإعلام، لكنهُ يكلفُ الدولةَ أعواما منْ الاستقرارِ والتنمية، ويراكمْ على كاهلها أثمانا باهظة. فهلْ يعدْ ذلكَ صلابةً في المبدأِ أمْ قصورا في قراءةِ المتغيرات؟ وأينَ ينتهي الثباتُ على القيم، ويبدأَ الإضرارُ بمصالحِ الشعوب؟      أنَ الفارقَ بينَ الموقفِ المبدئيِ والمكابرةِ ليسَ في قوةِ الصوت، بلْ في سعةِ الأفق؛ فالمبدأُ الحقيقيُ لا يخشى الحوار، ولا يرى في التسويةِ ضعفا، بلْ يعتبرها أحيانا جسرا ضروريا لعبورِ الأزمات. وإذا أردنا تعريفُ المكابرةِ والعنادِ في سياقهما السياسي، فهما سلوك يقومُ على رفضِ التراجعِ أوْ التفاوضِ أوْ تعديلِ الموقف، حتى في ظلِ معطياتٍ جديدةٍ أوْ ضغوطٍ واقعيةٍ أوْ حلولِ وسط متاحة. إنهُ الإصرارُ غيرُ المرنِ على رأيٍ بعينه، سواءً كانَ بدافعِ القناعة، أوْ المصلحة، أوْ الحساباتِ الشخصية، أوْ الرغبةِ في إظهارِ القوة. غيرَ أنَ السياسة، في جوهرها، ليستْ ساحةً لإثباتِ  المكابرة والعناد، بلْ فنٌ لإدارةِ الممكن، وتغليبَ المصلحةِ العامةِ على نزعاتِ الانتصارِ الذاتي.وفي عالمٍ يشهدُ تطورا متسارعا وتحولاتُ عميقة، لمْ يعدْ النجاحُ رهينٌ رؤيةَ الفردِ الواحد، بلْ ثمرةً لتلاقحِ الأفكارِ وتكاملِ الخبراتِ فالحياة تتجددُ بتنوعِ الاختراعات، والعقولُ تسمو بتعددِ الكتابِ والباحثينَ والعلماء، إذْ يثري بعضهمْ بعضا، ويكملَ بعضهمْ مسيرةُ بعض. وقدْ أشارَ قولهُ تعالى: (...... نرفع درجات من نشاء وفوقَ كلِ ذي علمٍ عليم) يوسف: 76 ، إلى نسبيةِ المعرفة، وأنَ الحكمةَ تقتضي التواضعَ للعلم، والإصغاءُ للرأي الآخر، وقراءةُ الوقائعِ بوعيٍ نافذ، واستشرافَ الآفاقِ بعينِ بصيرة. غيرَ أنَ بعضَ أصحابِ النفوذ، على الرغمِ منْ تعاقبِ السنينَ وتبدلِ المعطيات، يصرونَ على التشبثِ بآرائهمْ المتشددة، فيغلقونَ آذانهمْ عنْ صوتِ الجماهير، ولا يصغونَ إلا إلى دائرةٍ ضيقةٍ تحيطُ بهم، تزينَ لهمْ مواقفهمْ وتؤكدُ لهمْ صوابهم. وهنا تتحولُ الآراءُ إلى قيود، ويغدو الجمودُ عائقا أمامَ الإصلاح، بلْ سببا في تعطيلِ مسيرةِ التقدم.

    تعد المكابرةَ والعنادَ السياسيَ منْ أخطرَ ما قدْ يعتري الحياةَ العامة؛ إذْ ينقلبُ منْ تمسكِ مشروعٍ بالمبادئِ إلى إصرارٍ أعمى يعطلُ الحوارُ ويعمقُ الانقسامات. وحينُ يغلبُ السياسيونَ مصالحهمْ الضيقةَ أوْ حساباتهمْ الشخصيةِ على مصلحةِ الوطن، تتضاءلَ فرصَ التفاهمِ وتضيعُ إمكاناتُ الإصلاح، فالعملُ السياسيُ الرشيدْ يقومُ على المرونة، واحترامَ الرأيِ المخالف، والقدرةُ على تقديمِ تنازلاتٍ متبادلةٍ في سبيلِ الصالحِ العام، وتغليبَ المصلحةِ الوطنيةِ على كلِ اعتبار، حتى تمضيَ المجتمعاتُ بثباتِ نحوَ الاستقرارِ والتنمية.

 

 

 

 


مشاهدات 48
الكاتب محمد خضير الانباري
أضيف 2026/02/27 - 10:25 PM
آخر تحديث 2026/02/28 - 2:43 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 144 الشهر 21497 الكلي 14953140
الوقت الآن
السبت 2026/2/28 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير