الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
السلوك السياسي والتفاوض في القرن الحادي والعشرين

بواسطة azzaman

السلوك السياسي والتفاوض في القرن الحادي والعشرين

سلوان كامل

 

في العصر الذي يُفترض أن تكون فيه الشفافية والديمقراطية قد بلغتا ذروتهما، نكتشف أن طاولات التفاوض قد تحولت مخرجاتها بشكل مباشر او غير مباشر الى ضياع حقوق الشعوب، فالضحية من جراء عملية التفاوض لم تعد مجرد خاسر في صفقة، بل أصبحت كيانًا مركبًا، فالشعب الذي يخسر مستقبله، والسياسي الذي يتحول إلى تاجر، والنظام القيمي الذي يتحول إلى سلعة قابلة للتفاوض، تكون عند اذ الشعوب هي الضحية في هذه الصراعات. في كل مرة تجلس فيها النخب السياسية خلف الأبواب المغلقة يكونون امام معادلة صعبة، طرفيها اما المصالح الضيقة لهذه النخب، وعلى الطرف الاخر الشعب صاحب السيادة ومادة بقائهم في السلطة، وهنا مكمن الخطر في ان يتحول مستقبل هذه الشعوب إلى رهينة معادلات القوة.

بيانات ضخمة

المواطن في عصرنا الحديث بات ضحية لتقنيات التفاوض المتطورة التي تستخدم البيانات الضخمة لمعرفة نقطة استسلامه بالضبط، معايير أدوات الذكاء الاصطناعي قد تبين مدى قدرة الانسان على التحمل، وتُحدد بالضبط أي سياسة يمكن تمريرها دون أن تصل احتجاجاته إلى درجة الانفجار، إنه تفاوض غير متكافئ، جهة تملك كل المعلومات، وأخرى تدفع ثمن عدم معرفتها، او بالأحرى جهلها بهذا العالم وحركته الجنونية نحو كل ما من شانه استهلاكي، عندها يتحول الانسان الى رقم في جداول البيانات في ملف التفاوض دون النظر الى التبعات النفسية والاجتماعية للفرد في مجتمع تكنولوجي معاصر مر بمراحل من التغير دفع اثمانه عبر اجيال.

وعندما نرى سلوك الشخصية السياسية، الذي جاء عبر آليات ديمقراطية حين يصبح ممثلاً للشعب من خلال أصواتهم واختيارهم، ويجلس هذا السياسي في مكان اتخاذ القرار، نجد ان هناك تغير في هذا السلوك السياسي، وتحول مركب من ضحية عانت عبر عقود من الزمن الى ناقل للضرر في آن واحد، هل يقبل ان يكون ضحية مرة اخرى لأن النظام السياسي المعاصر يجبره على الاختيار بين مبادئه وبقائه في السلطة؟ من خلال مفهوم نظرية «الواقعية السياسية» التي تهيمن على تفكير النخب تفرض عليه أن يتفاوض على حساب قناعاته، لكن التحول الأكثر خطورة في السلوك السياسي هو تحوله إلى كائن اقرب الى التاجر يقايض بمصالح شعبه، نرى في التحالفات الحزبية تفاوضًا مقيتًا.

كتلة برلمانية

حزب يتنازل عن برنامجه الانتخابي مقابل مناصب وزارية، وآخر يبيع دعمه لتشريع مقابل امتيازات لكتلته البرلمانية، هنا نقف امام حالة مروعة حيث اصبح التفاوض آلية لتقسيم الغنائم، ولم يعد وسيلة لخدمة الصالح العام، والضحية الأكبر هي المصلحة الوطنية التي تذوب في بوتقة المصلحة الحزبية الضيقة، وهنا يجب ان نقرع جرس الإنذار، فنحن امام متاهة كبرى قد تذهب بكل مكاسب الديموقراطية اذا لم نجد الاليات التي تضمن حقوق الشعب، فالأحزاب ممثلة بالشخصيات السياسية هي قنوات للتعبير عن إرادة الشعوب، ودورها الاهم هي تنظيم وسائل المشاركة الشعبية عبر اهداف هذه الاحزاب، لكن بعضها تحول إلى جهات تتفاوض على حصصها في السلطة.

 والأخطر هو تحول السلوك السياسي للمفاوض وتجريده من انسانيته في عصر  تسوده التقنيات.

فمن يجلس على طاولة التفاوض اليوم غالبًا ليس سياسيًا تقليديًا، بل خبير تقني يحمل جداول بيانات ومؤشرات اقتصادية.

 هذا التحول الجوهري يجعل العملية أكثر خطورة، فالمفاوض التقني يتعامل مع أرقام مجردة، لا مع آلام بشرية ملموسة.

عندما يتفاوض خبير من صندوق النقد الدولي مع خبير اقتصادي محلي، فإنهما يتحدثان بلغة النسب المئوية والعجز في الموازنة، لكن هذه اللغة المجردة تخفي واقعًا إنسانيًا قاسيًا، فهناك طالب لن يتمكن من إكمال تعليمه، او مريض سيعجز عن دفع قيمة علاجه، او أسرة ستفقد سقفًا تأوي إليه، الخطورة هنا ان هذا المفاوض التقني سيكون ضحية ادعاءه الحياد، وهذا تحول خطير في السلوك السياسي، والشعب سيكون ضحية لهذا التجريد اللاإنساني.

وعلى مستوى اخر، بلغ الخداع في التفاوض ذروته، فالدول الصغيرة تُجبر على التفاوض من موقع الضعف الدائم، شروط القروض، اتفاقيات التجارة، التحالفات الأمنية، كلها أدوات للتفاوض القسري، والضحية؟ سيادة القرار الوطني الذي يتحول إلى سلعة في سوق العلاقات الدولية.

الأكثر إيلامًا أن بعض النخب السياسية تشارك عن دراية احياناً او عن قلة خبرة في هذه المفاوضات، يعتقد المفاوض ان هذه التنازلات وطنية، واحياناً يطمح بالمقابل للحصول على ضمانات شخصية  لدعم بقائه على مسرح العلاقات الدولية.

 ان هذا التحول الخطير في السلوك السياسي يطيح بآمال المواطن، والوطن يكون ضحية مزدوجة لاستغلال القوى الخارجية، وسوء تقدير القوى السياسية الداخلية.

وهنا لا نقوم برفض عمليات التفاوض لضمان حقوق الأجيال، فالتفاوض هو آلية ضرورية للحياة والشعوب، وهي الطريقة الامثل للوصول الى الازدهار والتطور، لكن لابد من وضع معايير لمن يتصدى لهذه المهمة، وكلاء الشعب في هذه المهمة يجب ان يعلموا جيداً ان هناك حقوق للوطن والمواطن تتشكل عبر آليات شفافة عند قيامهم بهذه المهمة، وعلى السياسي ان يعي ان هناك مساءلة وآليات لمحاسبتهم على العواقب الإنسانية لاتفاقياتهم، بسبب ان ضحية التفاوض في حال اخفاقها هو الانسان، ويجب ان لا يكون الانسان مجرد من اي قيمة انسانية  عند تحويله الى رقم في جدول البيانات، فالمبادئ عندما تستسلم للمصالح الضيقة، والشعوب عندما تتحول من كونها هي الغاية المنشودة إلى وسيلة للمنفعة تكون الخسارة كبيرة في الحاضر والمستقبل، لذا فان تجريد المفاوض والتفاوض من النفعية الضيقة ليس خيارًا، بل ضرورة وجودية لمجتمعات تريد أن تبقى إنسانية في عصر يحاول تجريدها من إنسانيتها.


مشاهدات 72
الكاتب سلوان كامل
أضيف 2026/02/16 - 3:16 PM
آخر تحديث 2026/02/17 - 2:52 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 105 الشهر 12871 الكلي 13944515
الوقت الآن
الثلاثاء 2026/2/17 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير