الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
تجليات الوعي القَلِق.. فينومينولوجيا الصمت والهُدنة  في  شعر السيد حسن عبد ربه


تجليات الوعي القَلِق.. فينومينولوجيا الصمت والهُدنة  في  شعر السيد حسن عبد ربه

عبدالكريم الحلو

 

            ????الفصل الاول  )

 

????    القصيدة :  هُدْنَةٌ فِي مَقْهًى

          الشاعر  :   حسن عبد ربه

 

لم نكن نخططُ لشيءٍ.

أرواحُنا تتخبطُ للتلاقي.

المدينةُ وحدَها

كانت تفعلُ ذلك عنا.

 

لأنها ضجَّت بدقاتِ قلوبِنا،

ورقَّت جدرانُها لأنينِ نفوسِنا.

 

تلاقينا وكأننا على موعدٍ

في المقهى الأخيرِ قبلَ الفجرِ،

عندما حطَّ بنا الرحيلُ.

 

دخلناه كمشرَّدينَ

أو كمحاربينَ،

يختلسانِ من الكونِ

غفوةً على غديرٍ هادرٍ.

 

جلسنا متقابلين،

وكأنَّ الطاولةَ خطُّ هدنةٍ،

أو معاهدةُ سلامٍ

بينَ خسارتينِ جميلتينِ.

 

المكانُ مزدحمٌ،

لكنَّ وحدتَنا كانت

 أوسعَ منَ الكراسيِّ.

 

وشغفُنا لنظرةِ عينٍ

كان بمثابةِ قطرةٍ

على شفاهٍ متصحِّرةٍ،

غدرت بها نجومُ الهدايةِ.

 

النادلُ يحفظُ وجوهَنا،

يقرأُ صفحاتِه

 ويحلقُ كفراشةٍ حولَنا،

لا يعرفُ أسماءَنا،

لكنَّه يعرفُنا

من لهيبِ أشواقِنا

المتناثرةِ كرمادِ حريقٍ

على وجناتِنا.

 

والساعةُ المعلَّقةُ

تتعمدُ التأخرَ،

هل تعطينا فرصةً

لالتحامِ حنينِنا الممزقِ،

أم أنها تتآمرُ معَ الارتباكِ؟

 

أنتِ تتكلمينَ،

فتسقطُ الكلماتُ

من فمِكِ،

وتكملُ غزوَها على جلدي.

 

أردُّ بابتسامةٍ

يقشعرُّ لها ضوءُ المكانِ،

ولا ينتبهُ أحدٌ.

 

فجأةً

تصبحُ الأصواتُ بعيدةً:

الصحونُ، الضحكاتُ،

الهاتفُ الذي يرنُّ،

كركبةُ الشارعِ،

كلُّها تنسحبُ

ليتركَ لنا الفراغُ

حقَّ الكلامِ،

وليمنحَنا حقَّ الغرقِ

في متاهةِ الفورانِ.

 

تمدِّينَ يدَكِ،

تلمسينني

لتتأكدي أني ما زلتُ هنا.

 

اللمسةُ عابرةٌ،

لكنها تفعلُ

ما لا تفعلهُ العواصفُ:

تعيدُ ترتيبَ الداخلِ،

تُخمدُ أشياءَ

وتشعلُ أشياءَ أخرى

لتنيرَ الوجدانَ.

 

في الزاويةِ

رجلٌ يقرأُ جريدةً،

ولا يدري

 أنَّ الأخبارَ الحقيقيةَ

تحدثُ بينَ فنجانينِ،

بينَ مسافةِ عينينِ.

 

امرأةٌ تضحكُ بصوتٍ عالٍ،

ولا تعرفُ أنَّ الهمسَ

أكثرُ ضجيجًا،

وأميزُ منَ الرقصاتِ.

 

وهناك خلفَ زجاجِ المقهى

المكسوِّ برزازِ الأنفاسِ الحارَّةِ،

فتاتانِ صغيرتانِ،

لم تكتملْ ملامحُهما بعدُ،

ولم يبرعمْ صدرُهما بعدُ،

تفركانِ أيديهما خجلًا

حينَ رأتانا نلامسُ أكفَّنا.

 

ومن رجفةِ الدهشةِ

احتضنتْ كلٌّ منهما الأخرى،

كغصنينِ

في شتاءٍ باردٍ.

 

حينَ نقفُ للمغادرةِ

نتركُ خلفَنا:

أثرَ شفاهٍ لم يخمدا

 بعدُ حريقُهما،

وعدًا مبتورًا،

وبقايا اعترافٍ.

 

نتركُ خلفَنا

كرسيَّينِ متقابلَينِ،

يشعرانِ فجأةً بالبردِ.

 

بعدَ ساعاتٍ،

حينَ يفتحُ المقهى

 أبوابَهُ من جديدٍ،

يقولُ المكانُ لنفسِه:

بالأمسِ

جلسَ هنا شخصانِ،

لم يغيِّرا العالمَ،

لكنَّ العالمَ

تأخرَ قليلًا

ليمهلَهما

بعضَ حياةٍ.

 

الشاعر حسن عبد ربه

 

                             *************************

 

                ????الفصل الثاني  )

 

???? جدلية الوعي والهُدنة :

     دراسة  فينومينولوجية

     لنص  "هدنة في مقهى"

 

????   مقدمة :

???? مع إن هذه القصيدة طويلة، كان عليّ أن أستمعَ قبل أن أفكّر، أن أتلمّسَ الإيقاع قبل أن أصنّف المعنى، أن أحتضنَ الحكاية العابرة بين الطاولات والكراسي،

وأرى كيف تتحوّل التفاصيل اليومية الصغيرة إلى علاماتٍ كثيفة،

تنسج نسيجًا وجوديًا يمزج الحضور بالغياب، واللمسة بالصمت، واللحظة بالخلود الرمزي.

 

???? لذلك، كانت دراستي للنصّ رحلة استكشاف، رحلة إلى قلب اللحظة العابرة، حيث يتجلى الإنسان بكل هشاشته، والآخر بكل حضوره، والزمن بكل طوله وعمقه، لتبرز القصيدة كفضاء متكامل، تجمع بين الإحساس والوعي، وبين الجمال والمعنى، في تناغمٍ يليق بمدى اتساع النصّ.

 

????  وتكشف القراءة الظاهراتية  الفينومبنولوجية للنص عن أن جوهر التجربة الشعرية هنا لا يتمثل في “حدث اللقاء” بقدر ما يتمثل في كيفية عيش اللقاء:

كيف يتباطأ الزمن، ؟

كيفتنسحب الأصوات، ؟

كيف يتحول المكان العام إلى فضاء حميمي مؤقت، وكيف تصبح اللمسة العابرة فعلًا وجوديًا يعيد ترتيب الداخل ويؤسس لوعي جديد بالذات والآخر.

 

????  إن القصيدة، بهذا المعنى، لا تروي قصة حب بقدر ما تُنصت إلى ما يحدث في منطقة ما قبل اللغة، حيث تتشكل المعاني من خلال الإحساس الخالص لا من خلال القول المباشر.

 

????  فالقصيدة تعترف ضمنيًا بأن اللقاء لا يغيّر العالم، لكنه يؤخّر ثقله قليلًا، ليمنح الذاتين “بعض حياة”. هكذا يتحول الحب من وعدٍ بالخلاص إلى لحظة مقاومة جمالية للعدم اليومي، ومن تجربة رومانسية إلى موقف أنطولوجي من الوجود ذاته.

 

                            

????  القراءة النقدية الفينومينولوجية

الفضاء اليومي بوصفه تجربة وجودية: دراسة فينومينولوجية

لنص  "هدنة في مقهى"

 

   التجربة قبل الفكرة:

      أناأولوية المعايشة على التأويل

 

القصيدة لا تُقدّم حكاية حبّ بقدر ما تُقدّم تجربة وعي  : لحظة مُكثّفة من الحضور المشترك، حيث يتقدّم الإحساس على السرد، واللمسة على الفكرة.

 

من منظور ظاهراتي، لا يُعرَّف اللقاء بوصفه حدثًا خارجيًا، بل بوصفه كيفية ظهور الآخر في الوعي:

 

لم نكن نخططُ لشيءٍ.

 أرواحُنا تتخبطُ للتلاقي

 

اللقاء هنا ليس قرارًا، بل انبثاقٌ وجودي؛ المدينة نفسها تتكفّل بتنظيم المصادفة. المعنى يولد من الظهور لا من التخطيط.

 

  المكان كوعي مُجسَّد:

      المقهى بوصفه حقل ظهور :

* المقهى ليس خلفية محايدة؛ إنه فضاء ظاهراتي تتكثّف فيه العلامات الحسية: الضوء، الأصوات، الكراسي، النادل، الساعة. كل عنصر يظهر للذات بوصفه كيفيّة حضور لا كموضوع جامد.

 

جلسنا متقابلين،

 وكأنّ الطاولةَ خطُّ هدنةٍ

 

الطاولة تُدرك كـ«حدّ» بين ذاتين، لا كأثاث. هكذا يتحوّل الشيء إلى دلالة معيشة؛ الموضوع يُستعاد بوظيفته الشعورية.

 

  الزمن المُعاش:

      تعليق الزمن الموضوعي

* الساعة «تتعمد التأخر». الزمن الفيزيائي يتراجع أمام الزمن المعاش،  اللحظة تتمدّد لأن الوعي ممتلئ بالحضور:

 

فجأةً

 تصبحُ الأصواتُ بعيدةً

 ليتركَ لنا الفراغُ حقَّ الكلامِ

 

هنا يحدث تعليقٌ للعالم الخارجي (شبه إبوخيه ظاهراتية): الأصوات تنسحب، والوعي يركّز على جوهر التجربة. المعنى يُصاغ من كثافة الانتباه لا من تعاقب الدقائق.

 

الجسد كوسيط معنى:

      اللمسة والمعرفة الوجودية

* اللمسة العابرة تُنتج معرفة لا تُقال:

 

اللمسةُ عابرةٌ

لكنها تفعلُ ما لا تفعلهُ العواصفُ

 

الجسد هنا ليس موضوعًا بل وسيط

إدراك؛ المعرفة تنشأ عبر التماسّ، عبر «إعادة ترتيب الداخل». المعنى ظاهراتيًا يتجسّد قبل أن يُفكَّر فيه.

 

الآخر بوصفه انكشافًا لا موضوعًا

الآه لا يُختزل إلى صورة

إنه حضور يُحدث رجّة في الوعي:

أنتِ تتكلمينَ،

فتسقطُ الكلماتُ

من فمِكِ،

وتكملُ غزوَها على جلدي.

 

الكلمات تُدرَك كقوى حسّية تمسّ الجلد. العلاقة هنا تداخلُ آفاق وعي؛ لا تملّك ولا سيطرة، بل انفتاح متبادل يعلّق ضجيج العالم.

 

  الضجيج والهامش: العالم الخلفي

القصيدة تُنشئ خلفية إدراكية: رجل يقرأ الجريدة، امرأة تضحك، فتاتان خلف الزجاج. هؤلاء يشكّلون أفق العالم الذي ينسحب ليُبرز «الحدث الوجداني» في المقدّمة.

 

«الأخبارُ الحقيقيةُ

 تحدثُ بينَ فنجانينِ

الخبر ليس ما يُنشَر، بل ما يظهر في الوعي المشترك. الحقيقة تُستعاد بوصفها حدثًا وجوديًا صغيرًا، لا واقعة كبرى.

 

  الهدنة بوصفها معنى وجوديًا مؤقّتًا

«الهدنة» ليست سلامًا نهائيًا؛ إنها تعليق للصراع الداخلي، وقف إطلاق للنزيف الوجودي.

 

«معاهدةُ سلامٍ

 بينَ خسارتينِ جميلتينِ

القصيدة تُقرّ بأنّ اللقاء لا يغيّر العالم، لكنه يؤخّر قسوته:

 

لم يغيّرا العالمَ،

 لكنَّ العالمَ تأخّرَ قليلًا

 

ظاهراتيًا، المعنى هنا في الإنقاذ المؤقّت للمعنى داخل لحظة مُكثّفة من الحضور.

 

  اللغة بوصفها كشفًا لا زخرفة

اللغة مشبعة بالحسّ: اللمس، الضوء، الرزاز، الرجفة. إنها لغة كاشفة للتجربة لا زينة بلاغية.

الصورة الشعرية تعمل كـ«وصف ظاهراتي» لظهور الأشياء في الوعي، حيث كل استعارة تُعيد تسمية الإحساس.

 

????  خلاصة نقدية :

تُنجز القصيدة ما يشبه تعليق العالم الموضوعي لصالح العالم المعيش: يتحوّل المقهى إلى مسرح للظهور، والزمن إلى كثافة حضور، واللمسة إلى معرفة وجودية. في أفق القراءة الظاهراتية،

 

لا قيمة الحدث في نتائجه، بل في كيفية ظهوره في الوعي: هُدنة قصيرة تُعيد ترتيب الداخل، وتمنح الذات والآخر فسحة حياة داخل عالم متأهّب للقسوة.

بهذا المعنى، القصيدة ليست عن «لقاء» بقدر ما هي عن إمكان المعنى حين يمرّ خاطفًا ويترك أثرًا لا يُمحى.

 

                  ************************

 

                 ????  الفصل الثالث

 

????  قراءة نقدية فلسفية :

الوعي القصدي وتجربة الفضاء اليومي: دراسة  فلسفية لنص  "هدنة في مقهى"

 

  الوجود بوصفه لقاءً عابرًا:

     الوجودية (سارتر وكامو)

القصيدة تنطلق من وعيٍ بعبث العالم وقسوته، حيث لا خلاص نهائيّ ولا تغيير جذريّ لمسار الوجود:

لم يغيّرا العالمَ،

لكنَّ العالمَ تأخّرَ قليلًا

هنا يلتقي النص مع ألبير كامو في فكرة العبث: العالم لا يمنح معنى جاهزًا، والإنسان لا يملك سوى خلق لحظات معنى مؤقّتة داخل صحراء اللامعنى. كما يتقاطع مع جان بول سارتر في أنّ العلاقة مع الآخر ليست خلاصًا نهائيًا من القلق الوجودي، بل هدنة مؤقّتة داخل صراع الحرّيات والعزلات.

نقطة الاتفاق:

المعنى ليس معطًى كونيًا، بل يُصنع لحظيًا.

اللقاء لا يُنقذ العالم، لكنه يُنقذ اللحظة من العدم.

 

  الحضور والآخر:

     فلسفة الحوار (مارتن بوبر)

تتجلى في القصيدة علاقة «أنا–أنت» لا علاقة «أنا–هو»:


مشاهدات 60
الكاتب عبدالكريم الحلو
أضيف 2026/02/16 - 3:43 PM
آخر تحديث 2026/02/17 - 1:02 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 67 الشهر 12833 الكلي 13944477
الوقت الآن
الثلاثاء 2026/2/17 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير