الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
إيران وحربها الباردة مع الولايات المتحدة.. إستراتيجية الوعيد وإظهار القوة المضادة

بواسطة azzaman

إيران وحربها الباردة مع الولايات المتحدة.. إستراتيجية الوعيد وإظهار القوة المضادة

أحمد فكاك البدراني

 

في العقود الأخيرة، اتبعت إيران استراتيجية معقدة ومبنية على أسس عميقة في صراعها مع الولايات المتحدة. هذه الاستراتيجية تتخذ شكل الوعيد والتهديد، إلى جانب إظهار القوة المضادة، مما يجعلها تُظهر نفسها كلاعب إقليمي قوي يهدد المصالح الغربية، خصوصًا في منطقة الشرق الأوسط. هذه التحركات الإيرانية، على الرغم من كونها في ظاهرها تحديات ثانوية أو مجرد تهديدات لفظية، تُعد في بعض الأحيان بمثابة خيوطٍ رفيعة تديرها إيران بعناية للضغط على الولايات المتحدة وحلفائها، بل ولإشراكهم في صراع إقليمي قد لا يقتصر على حدود الشرق الأوسط فقط.

خلفية استراتيجية إيران

إيران بعد الثورة الإسلامية عام 1979، تبنت موقفًا عدائيًا تجاه الولايات المتحدة، والذي تمثل في دعم الحركات الثورية المعادية للغرب، وتحدي الهيمنة الأمريكية في المنطقة، وتطوير برنامج نووي يعكس رغبتها في تحقيق استقلالية استراتيجية على مستوى العالم. من خلال هذا السلوك، تطمح إيران إلى إظهار قوتها وقدرتها على التصدي لأي تهديدات من القوى الكبرى، بينما تسعى لتوسيع نفوذها في العالم العربي، خصوصًا في العراق وسوريا ولبنان.

إيران، مثل العديد من القوى النامية في السياسة العالمية، تستخدم استراتيجية الوعيد والتهديد كوسيلة ردع. إذ ترى أن وجود تهديدات غير مباشرة من خلال الحروب بالوكالة أو دعم الجماعات المسلحة يُساهم في إبقاء خصومها في حالة تردد أو انشغال دائم، مما يخفف من الضغط عليها. إيران: اللاعب الرئيسي في حرب باردة غير مباشرة مع الولايات المتحدة

على الرغم من أن إيران لا تشارك بشكل مباشر في الحروب الكبرى، إلا أن سياستها الجيوسياسية تتداخل بشكل كبير مع التوترات العالمية التي تقودها الولايات المتحدة، سواء في الشرق الأوسط أو على المستوى الدولي. من خلال تحركاتها في الخليج العربي وتهديداتها لخطوط التجارة الدولية مثل مضيق هرمز، تصبح إيران قوة غير مباشرة يمكن أن تُشعل صراعات عالمية.

هذه الاستراتيجية تجعل الولايات المتحدة تتعامل مع إيران ليس فقط كدولة إقليمية متمردة، بل كعنصر قد يؤدي إلى التصعيد مع قوى أخرى مثل روسيا والصين. إذا نظرت إلى الصراع في سوريا قبل رحيل الاسد، على سبيل المثال، فإيران تدعم النظام السوري، بينما روسيا تُعتبر من أكبر الحلفاء العسكريين لنظام الأسد. ولعل خسارة ايران لحليفها الاسد، ومجيئ احمد الشرع الذي استطاع ان يحقق موطئ قدم في العلاقة مع الادارة الامريكية يمثل خسارة مركبة لايران وتحقيق مكسب إيجابي مركب للبيت الأبيض.  في نفس الوقت، تسعى الصين إلى تقوية علاقاتها الاقتصادية مع إيران عبر مشروع الحزام والطريق، مما يجعل هذا الصراع جزءً من حرب باردة غير معلنة بين القوى الكبرى.

إيران وتحدي التوازن العالمي

الولايات المتحدة تجد نفسها في حالة من الاستنزاف في مواجهتها مع إيران، ليس فقط على مستوى التهديدات العسكرية المباشرة، بل أيضًا من خلال التحدي الاقتصادي عبر الحصار والعقوبات. لكن إيران، من خلال وجودها في مسرح العمليات الإقليمي (خصوصًا في دول المحيط الإقليمي)، تجعل الولايات المتحدة تجد نفسها مضطرة للتعامل مع تأثيرات سياسات طهران على حلفائها الغربيين، حتى لو كانت المعركة لا تقتصر على حدود الشرق الأوسط.

إيران تدرك أنه لا يمكنها التنافس مع الولايات المتحدة و حلفائها في حرب شاملة، لكنها تستخدم سياسة “الحروب بالوكالة” لتؤثر على مصالحهم. إن دعم الفصائل في العراق واليمن ولبنان، وكذلك وجود المجموعات الثورية في المنطقة، يوفر لإيران أداة ضغط قوية تساهم في إرباك واشنطن وحلفائها.

وفي هذا السياق، قد تُعتبر هذه الاستراتيجية جزءً من سياسة إيران لإضعاف هيبة الولايات المتحدة في العالم الإسلامي، ومن ثم محاصرة المصالح الغربية.

التحالفات الإيرانية ..مواجهة متعددة الأبعاد

التطورات في الشراكة الإيرانية مع روسيا و الصين يمكن أن تُعد أحد الأسباب الرئيسية التي تجعل الولايات المتحدة تشعر بأن هذه المواجهات قد تتجاوز حدود إيران. على الرغم من أن إيران ليست عضوًا رسميًا في منظمة شنغهاي للتعاون، إلا أنها تتمتع بعلاقات استراتيجية قوية مع كل من روسيا والصين، وهو ما يشكل تهديدًا للهيمنة الأمريكية على النظام الدولي.

في سوريا، كانت إيران تدعم روسيا في القتال ضد فصائل المعارضة المدعومة أمريكيًا، في حين أن الصين تتطلع إلى تعميق علاقاتها الاقتصادية مع إيران، لا سيما في مجالات النفط والغاز. يمكن أن تتحول هذه التحالفات إلى محور متعدد الأطراف يهدد بتفاقم الصراع، ويُحمل للولايات المتحدة عبئًا استراتيجيًا كبيرًا في منطقة يعدها البعض “حلبة اختبار” للصراع الجيوسياسي.

مستقبل التحدي: من سيربح الرهان ؟

في النهاية، يبقى السؤال الأهم: من سيربح الرهان في هذا الصراع الممتد؟ هل الولايات المتحدة ستتمكن من منع إيران من توسيع نفوذها، أم أن إيران ستتمكن من فرض نفسها كقوة إقليمية مؤثرة، وفرض توازن جديد للقوى على المستوى العالمي؟

الولايات المتحدة، رغم قوتها العسكرية الهائلة، تواجه تحديات كبيرة في الشرق الأوسط، لا سيما في ضوء الحروب الطويلة والتكلفة البشرية والمادية المرتفعة.

إيران، من خلال التهديدات المستمرة والاستراتيجية المدروسة، قد تستطيع إضعاف القوة الأمريكية في المنطقة، ولكنها أيضًا قد تجد نفسها عُرضة للعقوبات الاقتصادية والتحالفات الغربية التي قد تؤثر على استقرارها الداخلي.

روسيا و الصين، من جانبهما، لديهما مصالح خاصة في الحفاظ على توازن القوى الذي يخدم استراتيجياتهما العالمية، ويبدو أن هذا الحلف قد يمثل حجر الزاوية في تحديد من سيربح أو يخسر.

إيران تُمثل واحدة من أبرز الأمثلة على كيفية إدارة الحروب الباردة في العصر الحديث. من خلال الوعيد و إظهار القوة المضادة، تُحاول إيران التأثير على الولايات المتحدة وحلفائها، بل ودفعهم إلى مواجهة غير مباشرة مع قوى كبرى أخرى مثل روسيا و الصين. هذه الاستراتيجية، على الرغم من أنها قد تبدو غير مباشرة أو غير مرئية في بعض الأحيان، تُعد أداة فعالة للغاية لتحقيق أهدافها الجيوسياسية. وإذا استمرت هذه الديناميكيات على هذا النحو، فإن الرهانات الدولية قد تصبح أكثر تعقيدًا، ما يجعل من الصعب التنبؤ بمن سيكون المنتصر في النهاية.

وزير الثقافة والسياحة والاثار


 


مشاهدات 87
الكاتب أحمد فكاك البدراني
أضيف 2026/02/27 - 9:42 PM
آخر تحديث 2026/02/28 - 1:58 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 144 الشهر 21497 الكلي 14953140
الوقت الآن
السبت 2026/2/28 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير