الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
الازدراء خلل أم مرض في الوعي الثقافي.. قراءة نقدية في أخلاقيات الاختلاف


الازدراء خلل أم مرض في الوعي الثقافي.. قراءة نقدية في أخلاقيات الاختلاف

عبدالكريم الحلو

 

????  المقدمة  :

 

في البدء كانت الكلمة

نقطةَ ضوء

تشقُّ عتمةَ الروح

وتبحثُ عن يدٍ تُصافحها

لا عن حجرٍ يُلقى عليها

 

وفي هذا الفضاءِ الأزرقِ الواسع

حيثُ تتكاثرُ الشرفاتُ الرقمية

وتتدافعُ الأصواتُ كأمواجٍ متعجلة

تولدُ الكلماتُ كلَّ صباح

عاريةً إلا من نوايا أصحابها

ومحمَّلةً بأحلامٍ صغيرة

أن تُقرأ بمحبة

 

لكن الريحَ ليست دائمًا رحيمة

فبين سطرٍ وسطر

تتسللُ نظرةٌ باردة

وتعلو همسةُ انتقاص

ويكبر ظلُّ كلمةٍ

لم تُكتب لتبني

بل لتكسر

 

هذا المقال

ليس محاكمةً لأحد

ولا منبرَ عتابٍ عابر

إنه محاولةٌ لإضاءة السؤال :

كيف تحوّل بعضنا

من قارئٍ يُنصت للجمال

إلى قاضٍ يُصدر أحكامه

قبل أن يُكمل القراءة؟

 

سنمشي معًا

في دروب الكلمة الحرة

لا لنُدين

بل لنفهم

ولنستعيد للكلمة هيبتها

وللاختلافِ أدبه

وللمشهد الثقافي

نقاءه الذي يستحق

 

????   هنا كانت منصة الاقلاع في رحلتنا :

 

لماذا شكل الاعلام الالكتروني ركيزة كبيرة ووسطاً خصباً لهذا السلوك المريض ؟

 

لأن الإعلام الإلكتروني لا يعمل فقط كوسيلة نشر، بل كـ بيئة نفسية واجتماعية جديدة أعادت تشكيل أنماط السلوك.

للأسباب الآتية:

 

١سهولة الوصول وانخفاض الكلفة :

لم يعد التعبير يحتاج إلى مسؤولية تحريرية أو مراجعة مؤسساتية كما في الصحافة التقليدية ، فالنشر فوري، والتعليق متاح للجميع، مما يفتح الباب لأحكام مرتجلة غير منضبطة.

 

 ٢وهم البطولة الرقمية :

بعض الأفراد يكتشف أن الانتقاد اللاذع أو السخرية تجلب تفاعلًا أكبر من القراءة المتأنية، فيتحول الازدراء إلى وسيلة لاصطياد الانتباه.

 

٣ثقافة السرعة لا ثقافة الفهم :

الإعلام الإلكتروني قائم على الإيقاع السريع، بينما النقد الرصين يحتاج إلى زمن وتأمل.

 

٤إخفاء الهوية أو المسافة النفسية :

وهذا يسهل عملية التجريح أو الانتقاص دون شعور مباشر بالمسؤولية الأخلاقية.

 

٥خوارزميات الاستقطاب :

وكلما كان التعليق أكثر حدة، زادت فرص انتشاره، فيُكافَأ السلوك العدائي ضمنيًا.

 

٦غياب المرجعيات النقدية المنظمة :

 يتساوى الرأي المؤسس بالحجة مع الرأي العابر، ويضيع معيار التقييم العلمي.

 

٧تحوّل المشهد إلى منافسة عددية :

الإعجابات والمشاركات أصبحت مؤشرات مكانة، ما يدفع بعضهم إلى تقليل شأن الآخرين لرفع أسهمه الرقمية.

 

إذن، الإعلام الإلكتروني لم يخلق المرض، لكنه وفّر له مسرحًا واسعًا وأدوات سريعة.

 

في الوقت الذي لا يُربّى المستخدم على المسؤولية، تتحول الحرية إلى فوضى، ويتحول الاختلاف إلى ازدراء.

 

هنا برز سلوكٌ مؤسف يتمثل في ازدراء منشورات الغير ، أو  التقليل من شأن ما يكتبه الآخرون، أو السخرية منه، أو تحجيم قيمته دون قراءة منصفة أو نقد موضوعي.

 

ورغم أن المنجز الثقافي اليوم كبير ومتنوع ومميز، فإن هذا السلوك لا يزال حاضرًا بقوة،

مما يطرح سؤالًا تربويًا وأخلاقيًا ملحًا:

 

????  لماذا يزدري البعض نتاج الآخرين بدل       أن يتفاعلوا معه بوعي ومسؤولية؟

 

????  أولًا:

مفهوم ازدراء منشورات الغير

هو موقف نفسي وسلوكي يتجلى في:

* التقليل من قيمة النص .

* السخرية أو التلميح السلبي غير المبرر.

* إصدار أحكام عامة جازمة دون قراءة .

* تجاهل الجهد الكبير المبذول .

* النقد يقوم على الحجة والتحليل والاقتراح،

* بينما الازدراء فيقوم على الانفعال والانتقاص.

 

????  ثانيًا :

الأسباب العميقة لهذا السلوك  :

 

1. هشاشة الثقة بالنفس :

حين يشعر الفرد بأن حضوره الثقافي مهدد، قد يلجأ إلى التقليل من إنجاز الآخرين ليحافظ على صورةٍ متوهمة عن تفوقه.

 

2. ثقافة المنافسة غير الصحية :

تحول المنصات الثافية إلى ميدان تصفية حسابات لا إلى فضاء حوار.

 

3. ضعف التربية النقدية :

غياب التربية على أدب الاختلاف وأخلاقيات الحوار يجعل بعضهم يخلط بين الرأي والتهجم، وبين النقد والتجريح.

 

4. الشعور بالإقصاء أو التهميش :

من لم ينل الاعتراف الذي يراه مستحقًا،

قد يمارس رفضًا عدائيًا تجاه من نالوه.

 

5. تأثير المنصات الرقمية :

السرعة والاختصار وسهولة التعليق أفرزت نمطًا من الأحكام الفورية غير المسؤولة، حيث يسبق الانفعالُ الفهمَ.

 

????  ثالثاً :

المفارقة المؤلمة

المفارقة أن المنجز الثقافي العربي اليوم  ( شعريًا وسرديًا ونقديًا ) يشهد تنوعًا لافتًا وطاقات خلاقة، لكن بعض الأفراد ينشغلون بهدم الجسور بدل مدّها.

فالازدراء لا يضر المبدع وحده، بل:

* يُضعف الذائقة العامة.

* يُربك المتلقي.

* يُحوّل المشهد الثقافي إلى مساحة توتر.

* يُثبط المواهب الجديدة.

 

????  رابعًا:

رؤية تربوية ثورية للإصلاح

الثورة هنا ليست صخبًا، بل وعيًا.

 

1. إعادة بناء ثقافة النقد

النقد فعل معرفي لا انفعالي.

يجب أن يقوم على:

* القراءة المتأنية

* الاستشهاد

* بيان مكامن القوة قبل الضعف

* اقتراح البدائل

 

2. ترسيخ أخلاقيات الحوار :

الاختلاف ثراء، لا معركة

ومن لا يتسع صدره للرأي الآخر

فلن يتسع عقله للمعرفة

 

3. تعليم مهارة الاعتراف بالآخر :

الاعتراف بتميز غيرك لا ينتقص منك، بل يرفعك إلى مستوى الشراكة الحضارية.

 

4. تحويل المنافسة إلى تكامل :

المشهد الثقافي ليس حلبة مصارعة

بل ورشة بناء جماعية.

 

????  خامسًا:

نصيحتي إلى الفاعلين في الحقل الثقافي :

ليكن شعارنا:

* نختلف… لكن لا نحتقر

* ننقد… لكن لا نهين

* نراجع… لكن لا نُقصي

* فالكلمة مسؤولية، والمشهد الثقافي أمانة، والجيل القادم يتعلم منا كيف يتحاور لا كيف يتخاصم.

 

????  خاتمة :

ازدراء منشورات الغير ليست علامة قوة

بل علامة ضعفٍ تربوي وأخلاقي

أما الاحتفاء بالمنجز، وتحليله بوعي وتصويبه بمحبة، فهو فعل ثوري حقيقي يبني الإنسان قبل أن يبني النص.

 

الثقافة لا تزدهر بالتصفيق الأجوف،

ولا بالهدم العدائي،

بل بالعقول المتنورة

التي ترى في كل تجربة فرصة للتكامل،

لا ذريعة للتقليل.

 

????   خلاصة الكلام :

الكلمة ليست حبراً عابراً

إنها نَفَسٌ من أرواحنا

إمّا أن يكون نسمةً تُداوي

أو شوكةً تظلُّ عالقةً في الذاكرة

 

ما أوصت به الشرائعُ كلها

لم يكن معقّداً  :

قُل خيرًا أو إصمت  )

( و أَحبِب لأخيك ما تحب لنفسك )

و لا تجعل لسانك سيفًا على الرقاب

ولا قلمك ناراً على المعنى .

 

وتذكر  ..

أن كلُّ الأديان مرّت من هنا

من درب الرحمة

من وصية الرفق

من قانونٍ بسيطٍ

يقول إن الكلمةَ أمانة

وأن العدالة تبدأ

حين نُنصف من نختلف معه

 

كلُّ الرسالات التي عبرت تاريخ الإنسان

كانت تبدأ بالرحمة

وتنتهي بالمحبة

وتوصي  بصوتٍ واحد

أن لا تظلموا

أن لا تسخروا

أن لا تجعلوا اختلافكم

ذريعةً لإهانة بعضكم بعضًا

 

فلنختلف… نعم

لكن بقلوبٍ رحيمة

ولنُنقد… نعم

لكن بعقولٍ عادلة

ولنُصلح  … لا لننتصر

 

لنجعل من منصاتنا

حدائق حوار

لا ساحات إشتباك

ومن حضورنا

جسرًا يعبر عليه المعنى

لا متراسًا يصدُّه

 

فالثقافةُ التي تُروى بالمحبة

تثمرُ إبداعًا وزهوراً وعطوراً

والكلمةُ التي تُقال بصدقٍ ورحمة

تعيشُ أطول من صاحبها

 

فلنكن أمناء على الضوء

ولنحمل كلماتنا

كما تُحمل الشموع

نحميها من الريح

ولا نستخدمها لإحراق أحد

 

فلماذا ننسى

أن وراء كل نصٍّ قلبًا

ووراء كل سطرٍ تعبًا

ووراء كل محاولةٍ إنسانًا

يرجو أن يُفهَم

لا أن يُكسَر  !

 

ولنُصغِ إلى ذلك الصوت القديم

الذي سكن ضمير الإنسان

منذ أن تعلّم أن للكلمة أثرًا

وأن للقلوب هشاشةً تشبه الزجاج

 

فلنكتب .. كما لو أن الله يقرأ معنا

ولنُعلّق .. كما لو أن أمهاتنا تسمعنا

ولنختلف كما لو أن بيننا

جسرًا لا يجوز أن ينهار

 

ازدراءُ الآخر

لا يرفع مقامًا

ولا يبني مجدًا

بل يكشف فراغًا

يحتاج إلى نورٍ لا إلى ضجيج

 

فلنكن حرّاس الكلمة

لا جلاديها

ولنترك خلفنا

 أثرًا يشبه الضوء

هادئاً .. واضحاً

عادلاً .. وأميناً

ورحيماً ..

 

                        

محبتي للجميع

 

                   د. عبد الكريم الحلو

                  كاتب وناقد أدبي عراقي


مشاهدات 77
الكاتب عبدالكريم الحلو
أضيف 2026/02/22 - 3:00 PM
آخر تحديث 2026/02/23 - 1:47 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 68 الشهر 17712 الكلي 14949355
الوقت الآن
الإثنين 2026/2/23 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير