الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
حين تتحّول الصفة إلى هوية

بواسطة azzaman

حين تتحّول الصفة إلى هوية

حسن الحيدري

 

في زمن الاعلام السريع والتواصل المفتوح لم تعد الكلمات التي تطلق  مجرد توصيف عابر بل باتت تتحول بسرعة الى صفات ثابتةتلازم صاحبها ثم الى هويات كاملة تلصق بالشخصيات العامة وتلازمها في الوعي الشعبي وهذا ما نشهده اليوم في الجدل الدائر حول توصيف التريلة وسائق التريلة حيث تحولت عبارة مجازية قيلت في سباق انتخابي الى مادة متداولة يومية واداة للسخرية والتاويل والاختلاف في بعض الاحيان السياسي حين يتحدث في الاعلام لا يخاطب جمهورا واحدا بل جماهير متعددة مؤيدون خصوم اعلاميون ومستخدمو وسائل التواصل وكل حسب فهمه وادراكه وكل كلمة تقال قابلة لاعادة التفسير والتوظيف فالعبارة التي قد تستخدم للدلالة على القوة او السرعة او الحسم يمكن ان تتحول في التداول الشعبي الى لقب ثابت او صفة ساخرة او حتى رمز سياسي جديد. الاعلام الحديث لا يتعامل مع الكلمات بوصفها جملا مكتملة بل يقتطع منها المفردة الاكثر اثارة ويعيد تدويرها حتى تصبح عنوانا ومع كثرة التداول تنتقل الكلمة من كونها وصفا مؤقتا الى هوية شبه دائمة وهنا تكمن خطورة التوصيفات المجازية عندما تصدر للاشارة الى عناوين سياسية متقدمة اذ تصبح مادة خصبة للتأويل والتضخيم

التسويق الاعلامي السياسي يقوم اساسا على صناعة الصورة الذهنية والصورة الذهنية تبنى بتراكم الكلمات والرموز وعندما تستخدم مفردة ذات دلالة شعبية قوية مثل التريلة فانها تخرج من اطار المجاز السياسي الى فضاء التداول الشعبي الواسع حيث لا يمكن ضبط معناها ولا التحكم بطريقة استخدامها فالبعض سيراها رمزا للقوة والاندفاع وآخرون سيحولونها الى مادة للانتقاد او السخرية.

تصريح تلفزيوني

المشكلة ليست في الكلمة بحد ذاتها بل في عدم تقدير مسارها بعد اطلاقها وكيفية ادارة المحافل والاتفاق على كل مايقال فيها من مصادر قوة ونجاح وعدم استغلالها كتشبيه متدني يعرض صاحبه للسخرية فالكلمة اليوم لا تنتهي عند حدود التصريح التلفزيوني بل تبدامنه وتنتقل بقوة الى وسائل التواصل ثم الى الشارع ثم تعود  للاعلام محملة بتفسيرات جديدة وهكذا تتحول الصفة الى لقب واللقب الى هوية اعلامية قد تلازم صاحبها طويلا

لهذايفترض بالمكاتب الاعلامية والشخصيات العامة ان تتعامل مع المفردة كما يتعامل الجراح مع اداته بدقة وحذر شديدين فالمفردات القوية والجاذبة قد تحقق انتشارا سريعا لكنها قد تخلق ايضا صورة ذهنية يصعب تغييرها لاحقا وفي عالم السياسة الصورة أحيانا أقوى من الكلمة التي قد تسبق الفعل وتختصره

ان ادارة الخطاب الاعلامي اليوم لم تعد مجرد نقل رسالة بل هي ادارة رموز ومعان وصور ذهنية واي توصيف يطلق في الفضاء العام يمكن ان يتحول إلى علامة تستخدم مع او ضد صاحبها لذلك فان الحيطة والحذر في ادارة المحافل ودراسة المشاركات واختيار المفردة لم يعد ترفا لغويا بل ضرورة سياسية واعلامية  تعبر عن مهنية كبيرة لادارة المحافل والتسويق الاعلامي في زمن تتحول فيه الكلمات الى هويات ملاصقة لدهور ...


مشاهدات 45
الكاتب حسن الحيدري
أضيف 2026/02/07 - 4:34 PM
آخر تحديث 2026/02/08 - 1:44 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 73 الشهر 5312 الكلي 13936956
الوقت الآن
الأحد 2026/2/8 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير