الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
حينَ يتلاشى التعلّقُ تتجلّى الحقيقةُ

بواسطة azzaman

حينَ يتلاشى التعلّقُ تتجلّى الحقيقةُ

حيدر عبد الرحمن الربيعي

 

فيِ الطريقِ إلىِ اللهِ وإلىِ المعنىِ لاَ يكثُرُ السائرُ من الزَّادِ بل يُقلِّلُ منهُ.

فالعلائقُ أثقالٌ تحجُبُ المشاهدةَ،

والحقائقُ أنوارٌ لاَ يُبصرُها إلَّا مَن تخفَّفَ من ظلماتِ التعلُّقِ.

 

يقولُ أهلُ الطريقِ :

السَّيرُ تجرُّدٌ لاَ تملُّكٌ

وفتحٌ لاَ ادِّعاءُ

فما تملكهُ يدُكَ يحجبُ ما تُناديهِ روحُكَ

وما تتشبَّثُ بهِ نفسُكَ يحجبُ ما تُريدُهُ الحقيقةُ لكَ لاَ ما تُريدُهُ أنتَ لها.

 

قالَ أبو يزيدِ البسطاميُّ رحمةُ اللهِ عليهِ:

مَن تركَ الدنيا للهِ أعطاهُ اللهُ ما هوَ خيرٌ من الدنيا.

فالتركُ هناَ ليسَ عداءً للعالمِ بل عداءً للنَّزعةِ التي تُقيِّدُ القلبَ لاَ التي تُحرِّرهُ.

 

أمَّا الإمامُ الجنيدُ فقالَ:

الطريقُ إلىَ اللهِ خلعُ العاداتِ وتركُ الإراداتِ

فالعادةُ أسْرٌ للروحِ

والإرادةُ حجابٌ على البصيرةِ

فإذا خُلِعَ الأسْرُ ارتفعتِ الحجبُ

وإذا ارتفعتِ الحجبُ تجلَّت الحقيقةُ.

 

ويُلقي ابنُ عربيٍّ ضوءًا آخرَ على الفكرةِ حينَ قالَ:

ما رأيتُ شيئًا إلَّا ورأيتُ اللهَ قبلَهُ وبعدَهُ ومعهُ

وهذا قولٌ لاَ تُدرِكهُ الحواسُّ بل تُدرِكهُ المشاهدةُ

ولاَ تنالهُ الكثرةُ بل تنالهُ الخفَّةُ.

 

ومن جهةِ الفكرِ الحديثِ نجدُ صدىً لهذا الكلامِ عندَ إيمرسون حينَ كتبَ:

الإنسانُ يثقلُ على نفسِهِ بما يكدِّسُهُ من الأشياءِ بينما الحقيقةُ تحتاجُ خفَّةً لا ثراءَ.

وعندَ نيتشه الذي رأى أنَّ الإنسانَ إنَّما يصبحُ إنسانًا أعلى عندما يتحرَّرُ من أثقالِ القطيعِ وعلائقِ الخوفِ الاجتماعيِّ.

وعندَ باشلار الذي اكتشفَ أنَّ المخيِّلةَ لا تعملُ إلَّا حينَ تتحرَّرُ من قيدِ الواقعِ الضاغطِ فتخلقَ عالمًا جديدًا بدلَ استنساخِ العالمِ القديمِ.

 

وفي هذا السياقِ يمكنُ القولُ إنَّ الثقافةَ ذاتَها رحلةُ تخفيفٍ لا رحلةَ إضافةٍ.

فالكتابُ العظيمُ ليسَ من يعطيكَ معارفَ جديدةً بل من ينزعُ عنكَ الجهلَ القديمَ

ومن ينزعُ عنكَ الخوفَ،

ومن يكسرُ المرآةَ المموَّهةَ بصورةِ الذَّات.

 

هذا التلاقي الخفيُّ بين المتصوِّفةِ والمفكرينَ يكشفُ أنَّ الحقيقةَ ليست بعيدةً

إنَّما يتقدَّمُ منهاَ من تراجعَ عن نفسهِ

ويتخفَّفُ منهاَ من أثقالهِ

فالعلائقُ أبوابٌ مُغلقةٌ

والتخلِّي مفاتيحُها

والتجلِّي عطيةُ مَن فتحَ.

 

وفي الخاتمةِ

ليسَ التخلِّي مُغادرةً للعالمِ

بل مُغادرةً لِما يُعيقُ الرؤيةَ فيهِ

ولاَ الحقيقةُ غنيمةً تُصادُ

بل نورٌ يلوحُ حينَ تتخفَّفُ النفسُ من ظلالِها.

 

فكلَّما تلاشى التعلّقُ

تجلَّت الحقيقةُ

وكلَّما خفَّتِ النفسُ

قَرُبَتِ الأنوارُ


مشاهدات 115
الكاتب حيدر عبد الرحمن الربيعي
أضيف 2026/01/21 - 3:55 PM
آخر تحديث 2026/01/22 - 2:20 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 98 الشهر 16474 الكلي 13523897
الوقت الآن
الخميس 2026/1/22 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير