في معرض محمود شوبر.. عنترة يغادر الجاهلية ليدخل رحاب المعاصرة
بغداد – علي الدليمي
احتضن مقر ندوة ثقافة العلوم في دبي، وسط حضور نخبوي من المثقفين والفنانين والأكاديميين، المعرض الشخصي للتشكيلي العراقي محمود شوبر، والذي جاء تحت عنوان (عنترة في رحاب المعاصرة).
المعرض الذي ضم خمس وعشرون لوحة بمقاسات وتقنيات متنوعة، لا يكتفي بإعادة سرد السيرة الهلالية أو قصص الفروسية التقليدية، بل يقدم «عنترة بن شداد» ككائن معاصر يعيش صراعات القرن الواحد والعشرين.
في هذا المعرض، يكسر شوبر الهالة «المقدسة» للبطل التاريخي، ليضعه في مواجهة أدوات العصر من سيارات «مرسيدس»، وإشارات مرور، ورسوم متحركة، وحتى «دمى الأطفال» الحمراء، في محاولة فنية لجسد الفجوة بين الذاكرة الجمعية والواقع المشوه. وقد صرّح شوبر خلال الافتتاح أن اختياره لشخصية عنترة يأتي لكونها رمزا للتمرد والبحث عن الذات، وهي قيم يرى الفنان ضرورة استدعائها في ظل التحولات الكبرى التي تعيشها المنطقة.
فن فطري
تعد تجربة محمود شوبر في هذا المعرض «مشاكسة» بامتياز، فهو لا يرسم التاريخ، بل يسخر منه ومن الواقع معا عبر أسلوب يمزج بين «الفن الفطري» و»السريالية التعبيرية»، مع مسحة واضحة من «البوب آرت». وهو الفنان الأكاديمي المعروف.
في اللوحة التي تضم سيارة «المرسيدس» أو علامة المرور التحذيرية، يمارس شوبر صدمة بصرية. إذ وضع عنترة (الفارس التقليدي) بجانب شعار رفاهية حديث أو إشارة «طريق منزلق» ليس مجرد عبث، بل هو إشارة إلى ارتباك الهوية. البطل الذي كان يفتح الفيافي، يجد نفسه الآن محاصرا بقوانين ومظاهر مادية لم يصنعها.
ويتكرر «الدب الأحمر» في أكثر من لوحة، نراه محمولا بيد الفارس، أو موضوعا في مشهد «تشريح» يشاكس لوحة «درس التشريح» لرامبرانت. هذا الدب يمثل «أنسنة» للبطل، وتحويل أدوات الحرب (السيف والترس) إلى أدوات لحماية «البراءة» أو ربما السخرية من تحول القضايا الكبرى إلى «لعب أطفال». ويظهر ذكاء شوبر في لوحة «درس التشريح» (المستوحاة من رامبرانت)، حيث يستبدل الجثة بدمية، ويجعل من عنترة أحد الحاضرين. هنا، يطرح الفنان تساؤلاً حول «تشريح الهوية العربية» تحت أنظار الغرب أو تحت ضغط الثقافة الوافدة. كما تبرز «الموناليزا» بملامح شرقية في خلفية بعض اللوحات، كدلالة على تداخل الجماليات العالمية مع الموروث الشعبي.
خطوط واضحة
خلفيات اللوحات، يعتمد شوبر في بعض اللوحات (مثل اللوحات ذات الطابع الصحراوي) على اللون الأصفر والذهبي، مما يعطي إحساسا بالقدسية أو «الزمن الغابر». أما الخطوط فهي تذكرنا بالخطوط الواضحة والمساحات اللونية المسطحة في بعض اللوحات (مثل لوحة عنترة والحصان الأسود أمام خلفية هندسية) بأسلوب «المنمنمات» ولكن برؤية غرافيكية حديثة.
والتلفاز والكرتون وحضور «توم وجيري» على شاشة التلفاز في خلفية مشهد يجمع عنترة وعبلة هو قمة «الكوميديا السوداء»، حيث تتحول الملاحم البطولية في عصرنا الحالي إلى مجرد «فرجة» أو مادة ترفيهية استهلاكية.
محمود شوبر في «عنترة في رحاب المعاصرة» نجح في إخراج البطل من كتب التاريخ الصفراء ليجعله «مرآة» تعكس انكساراتنا المعاصرة. إنه لا يقدم عنترة كبطل خارق، بل كإنسان «مأزوم» يحاول التوفيق بين سيفه وبين إشارة المرور، وبين فروسيته وبين عالم «توم وجيري» الطفولي.