الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
نوارس الأرض الحرام

بواسطة azzaman

نوارس الأرض الحرام

فاضل الفتلاوي

 

الى اصدقاء ايام المحنة جابر خليفة جابر ومزاحم مزاحم الشريدة

هذه هي المرة الأولى التي ألتقي بها صديقي حازم سلطان بعد عودتي من أرض الممالح في اقصى جنوب الوطن ،عقب إصابته هناك إصابة بالغة في مكان لايبعدكثيرا عن موقعي، ووصلتني اخباره،ولفني حزن عميق وتضرعت لله أن أراه ولو لمرة واحدة قبل ان أموت أو يموت ودارت في مخيلتي عشرات ( السيناريوهات ) لإقناع أمر وحدتي للحصول على إجازة قصيرة ولكنها تلاشت وانا اقف امام الرجل بالاستعداد والذي أبدى تفهما لموقفي حيث منحني إجازة أمدها سبعة أيام، كانت فرحة انستني للحظات كل شيئ من حولي.

كان الطريق الممتد من خط الجبهة الساخن باتجاه البصرة يزدحم بالاليات والعجلات العسكرية والمدرعات والحطامات التي لم يتبقى من معالمها سوى اللون الكاكي الادكن، وترى بين الفينة والأخرى أعمدة من الدخان الأسود تتصاعد مع الأتربة نحو السماء وباتجاهات شتى لتسمع بعدلحظات انفجارات هائلة مرعبة معلنة حصاد أرواح لاذنب لها سوى إختلاف (ايدلوجيات) وتتوالى في المذياع الصغير الأناشيد الثورية الحماسية والبيانات الرنانة وتضطر احيانا الى الترجل من العجلة العسكرية عندما يأخذ سائقها الجانب الأيمن من الطريق ونستنتج بالفطرة العسكرية التي جبلنا عليها إن توقف السائق ناجم عن إشارة من قبل مفارز الانضباط العسكري الذين يدققون الإجازات، على امتداد الطريق برك ومستنقعات مياه اسنه ويلوح احيانا جذع نخلة متهرئ أو بقايا شجرة يوكالبتوس بعد أن كان هذا الطريق غابة غناء من أشجار النخيل والحناء، الحديث داخل بدن عجلة (الايفا ) كان صاخبا بين جنود مثلي حصلوا على اجازات وتضرب المواعيد هنا وهناك ونسيان الجبهة وكوارثها، وبعد مسير لأكثر من ساعة وصلت السيارة الى محطتها الأخيرة، ساحة سعد ومنها الى مراب البصرة الموحد.وها أنا اصل اخيرا بعد ترقب وقلق قاتلين طوال الطريق الممتد بين البصرة والديوانية، لم ادخل الزقاق مباشرة، لكثرة الاحتمالات المزعحة وأهمها رؤية (جادر) الفاتحة، لكني حمدت الله كثيرا، لم ارى مايدل على وجود عزاء او ماشابه في المكان ،كان اصبعي يضغط على زر جرس الدار عندما ربت محمود على ظهري قائلا:

-إن اخاك في الرمق الأخير.

كان حازم عبارة عن حطاما بشريا لايرى منه سوى رأس بلفافات بيضاء مبقعة بالدم، حاول النهوض فمنعته، أشار إلي أن أجلس بقربي، جلست على السرير، سيل من الدموع يشق طريقه نحو تجاعيد وجه كخارطة بتضاريس مختلفة، اقسمت له بأني ساغادر ان لم يكف عن البكاء ففعل، خرجت الكلمات منه في بادئ الأمر كحشرجات لاتفهم سرعان ماتحولت الى كلام مفهوم مسموع مما أثار استغراب والديه وراح يحدثني عن ذلك اليوم المشؤوم.

كان هدير اصوات المدفعية يصم الآذان، يفقد الصواب، يعقبة تناثر قنابل تهز الأرض هزا مضيفة الى الجو البائس المرعب سببا لتفاقم الكئابة واليأس، يا صديقي في الساعات الأولى من النهار يكون المرء هنا بأسوأ حالاته المزاجية عقب ليل طويل عاث فيه البعوض لسعا بالاجساد وراح كل منا في ملجئ الحديد يبتكر طرقا وإبداعات للتخلص من اللسعات، فمحسن كاظم صالح الشاب النحيل الاصلع الذي وهبه الله ذكاءا خارقا كان يصلح اجهزة الحضيرة ولكن لفترة دقائق، كانت معالجته للموقف هي التدثر بعدة بطانيات لم ترى الماء منذ شهور داخل الملجأ الحار ليستيقظ صباحا وكأنه عصفور منقوش الريش، اما فخري عبدالصمد الشاب البصري فكان يؤثر الدخان والذي كان بحق سلاحا فعالا ولكن علينا ارتداء اقنعة الوقاية الكيماوية إن أردنا البقاء على قيد الحياة، وفضلنا انا وجاسم صنع فخاخ بدائية كلفتنا السهر حتى الصباح دون جدوى، اما كاكا فائق الشاب الوسيم القادم من هولير فلم يكترث للامر، آه ياصديقي ساحدثك عن فائق....

كان طيبا ودودا وكان بحق (داينمو الحضيرة ) فتراه في كل مكان، يعد الشاي قبل موعد الطعام، يغسل الأواني، يطلق سيلا من النكات بلهجته المحببة، لم يلاحظ عليه حزنا او كئابة وتراه دائم الشجار مع حانوت الوحدة حول رداءة الطماطم والبطاطا والسكائر المغشوشة.

كانت القنابل تتساقط بكثافة في ذلك اليوم والذي صادف بالتحديد 6/7/1985 إذ لم تهدأ رشقات المدفعية والهاونات وقنابل المهداد المنطلقة من فوهات الدبابات، مما ولد لنا شعورا طبيعيا لدينا بأن هجوما سيحصل اليوم لامحالة وان عزرائيل نصب خيمة على وجه السرعة في هذا المكان من العالم، توالت الانفجارات مصحوبة باتربة كثيفة جاعلة من الرؤية صعبة حتى داخل الملجأ ولكن هذا الجو المشحون بالموت لم يكن يمنع كاكا فائق من إطلاق نكاته اللاذعة والتي لم تلاقي التجاوب المطلوب، عند انتصاف النهار اشتد القصف أكثر وإصابات لا تحصى وراح جنود الطبابة العسكرية يتنقلون بسرعة بين الملاجئ داخل القوس الذي تشغله وحدتنا وأصبحت الاعتدة الخفيفة والمتوسطة تطرق جوانب ملجئنا وشاهدنا خطا احمرا كثيفا من الدخان يتصاعد إلى الأعلى، ووصلنا نداء عبر مكبر الصوت يأمرنا بارتداء الأقنعة الكيماوية  بعد دقائق هدأت الأصوات قليلا وراح بعضنا يودع الآخر،  قبل العصر بقليل جاءت سيارة إسعاف وراحت تتنقل لنقل الموتى، في اللحظة التي وصلت بها السيارة امام ملجئنا سقطت رشقة قنابل بمحاذاتها تماما سمعنا صراخا ولكن من يستطيع أن اخراج راسه في تلك اللحظة؟ كان كاكا فائق ينظر حينها من خلال فتحه معدة للرمي على الجانب الآخر، أشار الي أن تعال وانظر،لم ارى سوى المألوف، أكوام من الجثث الآدمية ممدة على الأرض الحرام وآليات ومدرعات تحترق، تساءلت عن الجديد في الأمر؟ أجابني بصوت مخنوق........

-الم ترى النوارس؟

-أي نوارس كاكا هل جننت؟

لم اطق مزاحه، اقسم باغلظ الإيمان انه رأى نوارس بيضا ناصعة تحلق فوق الأرض الحرام، كان يتحدث والدموع تنهمر من عينيه بكثافة، صاح فخري:

-انظروا سيارة الإسعاف تحترق

ركضنا انا وفائق باتجاهها، السيارة وسط كتلة من النيران وقد تفحم من بداخلها والسائق يحاول الخروج عبثا، على حين غرة سقطت قذيفة قرب فائق تمددنا على الأرض، كان فائق في الرمق الأخير وانا مصاب إصابة بالغة دماء فائق لامست جسدي مد يده نحوي وقال وهو يجاهد الابتسام

-كاكا حازم........ .خدا حافيز *

وهذه آخر عبارة سمعتها منه قبل ان يلفظ أنفاسه الأخيرة، وانا مستلق قرب فائق أحالت صواريخ ملجئنا الى قطع متناثرة، كان نظري مسمرا نحو الملجأ وكدت أصاب بالجنون عندما لمحت نوارس طارت منه متجهه نحو السماء.

إنتهى حديث حازم صديقي وشعرت إن يده أصبحت باردة كالثلج، كان الصراخ في الغرفة على أشده عندما لمحت نورسا  أبيض ناصعا، طار من شباك الغرفة صاعدا نحو الاعالي السحيقة.

*خداحافيز مفرده كردية معناها في أمان الله.

القصة من مجموعتي شمالا نحو الجنوب.

 


مشاهدات 47
الكاتب فاضل الفتلاوي
أضيف 2026/01/20 - 6:21 PM
آخر تحديث 2026/01/21 - 2:47 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 109 الشهر 15641 الكلي 13523064
الوقت الآن
الأربعاء 2026/1/21 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير