الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
هل تؤدي سياسات ترامب إلى فوضى شاملة؟

بواسطة azzaman

أذن وعين

هل تؤدي سياسات ترامب إلى فوضى شاملة؟

عبد اللطيف السعدون

ربما يبدو التحليل القائل أن بروز الرئيس الأميركي دونالد ترامب كقائد أوحد للعالم، كما يعتقد كثيرون، في ضوء انتهاكه لقواعد القانون الدولي، وتحديه للمنظمة الدولية هو مجرد قيادة طارئة على اللعبة أقرب إلى واقع الحال لسبب واحد هو عدم وجود قيادات عالمية فاعلة ونشيطة على المستوى الدولي تتيح التنافس والصراع، والمشاركة أيضا على النحو الذي شهدناه في مراحل سابقة، وفي ظل هذا المتغير اللافت جاء دونالد ترامب ليملأ الفراغ، وليجعل من نفسه «إمبراطور العالم»، أو «مالك العالم» في أصح وصف له، وتغريداته أكثر من مرة تكرس هذا الانطباع وتوثقه.

وإذا كانت بديهية «ثوسيديديس» تعلمنا أن القوى الكبرى تفعل ما تريد، والقوى الصغيرة تعاني جراء ذلك، فان هذا الحكم ينطبق على سياسات ترامب الماثلة اليوم، التي لم يتورع مايك والتز ممثل الولايات المتحدة في المنظمة الدولية من الإقرار بها، والتبجح بأن دولته «هي من تصنع القانون، وهي من تقرر الخطأ والصواب»، هذا يعني ضمنا أن العالم يعيش مرحلة تاريخية هجينة على وقع ما يقوله ترامب وما يفعله، ولا نجد في سلوكه هذا من يردعه من مسؤولي دول كبرى أيضا لكن ما نراه أو نسمعه مجرد شعور بالغضب أو ردود أفعال خجولة، أو بيانات شاجبة لكنها لا تؤول الى نتيجة، وهذا ما تابعناه بعد عملية فنزويلا التي مثلت نمطا صارخا من انتهاكات للقانون الدولي لم يشهده العالم من قبل، وهو اختطاف رئيس لا يزال في السلطة من غرفة نومه في بلده الذي يمثل دولة مستقلة وذات سيادة كاملة على أرضها وسمائها وثرواتها.

ومع كل ما فعله ترامب تراه إثر ذلك يعلن صراحة أنه يريد أن يصل بمسار هذه العملية الى مدى أبعد، حيث باشر، في سعي ديناميكي محموم ومحسوب، إلى نزع الشرعية عن فنزويلا كدولة ذات سيادة، وتحويلها إلى كيان هش تابع له، وقد عبر عن توجهه هذا عمليا بتنصيب نفسه حاكما لها، ووضع وزير خارجيته ماركو روبيو، المعروف عنه أنه أكثر رجاله تحريضا على خطوة التدخل العسكري، على رأس مجموعة الإشراف على تنفيذ «خطوات الانتقال» كما سماها، كما ربط ما يتعلق بصادرات النفط الفنزويلي به شخصيا، فارضا الشروط التي تضمن له حريته في التصرف بها  لكن كاراكاس ردت بسرعة مؤكدة أنها هي الجهة الوحيدة المسؤولة عن ثرواتها، وهي التي لها الحق الحصري في عقد اتفاقيات مع الدول حولها، وأن «فنزويلا ليست مستعمرة، ولا منطقة اختبار للقوى الأجنبية، الدفاع عن مواردها واستغلالها الاقتصادي أولوية في مواجهة الضغوط الأجنبية».

ربما أراد ترامب من كل هذا أن يقدم للعالم النموذج الذي يراه مناسبا له في العلاقات بين الدول، والهدف هو نشر صورة واقع مغاير ليس لفنزويلا فحسب، إنما للقارة اللاتينية التي يريد تشكيلها حديقة خلفية لأميركا كما كانت في مرحلة سابقة، وهذا ما جاءت به الاستراتيجية الأمنية الجديدة التي أعلنتها إدارته، والمتوافقة مع طموحاته الشخصية وشعبويته.

نسخة مقلوبة

وما طرحه هو إحياء لمبدأ مونرو المعلن عام 1823، ولكن بنسخة مقلوبة تمثل حالة عدوانية، واستعمارا جديدا يضمن لأميركا وضع اليد على أميركا اللاتينية، وعلى أية بقعة في العالم، واستغلال مواردها، ووضعها في خدمة الأمن القومي الأميركي.

هذه الحال المستجدة في النظام الدولي، والتي تحمل هذا القدر من التوحش واللصوصية تستدعي مراجعتها وتشخيصها من قبل المعنيين، بخاصة رجال المنظمات الدولية ذات التاريخ العريق في الدفاع عن حقوق الإنسان وحريات الشعوب، والتي يفترض أن لها حضورها الثابت في إرساء معالم علاقات دولية قائمة على الاحترام المتبادل، والتعاون والتنافس المشروع بين دول العالم، كبيرها وصغيرها، وطرح الحلول الكفيلة بتجاوز اندفاعات شعبوية هجينة كالتي نراها في السياسات «الامبراطورية» التي يريد فرضها على العالم الرئيس دونالد ترامب. وإذا لم يتم التصدي لمثل هذه السياسات فربما ينجر العالم للدخول في فوضى شاملة تلد حروبا وصراعات لا تبقي ولا تذر.

 

 

 


مشاهدات 135
الكاتب عبد اللطيف السعدون
أضيف 2026/01/17 - 12:45 AM
آخر تحديث 2026/01/17 - 9:44 PM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 733 الشهر 12881 الكلي 13120304
الوقت الآن
السبت 2026/1/17 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير