الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
من باريس إلى حلب.. كيف تدار معركة النفوذ ضد قسد ؟

بواسطة azzaman

من باريس إلى حلب.. كيف تدار معركة النفوذ ضد قسد ؟

طارق جوهر

 

ما يجري اليوم في سوريا، ولا سيما في غرب كردستان، لا يمكن قراءته بمعزل عن سياق إقليمي ودولي أوسع، يهدف إلى إعادة تشكيل موازين القوى في الشرق الأوسط. فالتطورات المتسارعة على الأرض تعكس تقاطع مصالح معقّد بين قوى إقليمية فاعلة، في مقدمتها تركيا وإسرائيل وقطر والسعودية، ضمن تفاهمات غير معلنة يُصار إلى تنفيذها ميدانيًا على حساب قوى محلية، وفي مقدمتها الكورد.

بالنسبة للكورد، تبدو هذه التحولات وكأنها إعادة إنتاج لتجارب تاريخية قاسية، تشبه في دلالاتها اتفاقي لوزان والجزائر، حيث تُحسم القضايا المصيرية في العواصم الكبرى، ثم تُفرض نتائجها سريعًا على الأرض. وقد أظهرت الوقائع أن إسرائيل خرجت بوصفها الرابح الأبرز من هذه الترتيبات، إذ نجحت في تثبيت واقع جديد يشرعن وجودها ونفوذها في مناطق استراتيجية داخل الأراضي السورية، مع ضمان أمنها على المدى المتوسط.

وفي هذا السياق، يبدو أن اتفاقية باريس غير المعلنة بين دمشق وتل أبيب قد منحت النظام السوري هامش حركة أوسع لتغيير موازين القوى الميدانية، مستفيدًا من دعم ومشاركة فاعلة من أنقرة. ويهدف هذا التحرك المشترك إلى ممارسة ضغوط عسكرية وأمنية مركزة على قوات سوريا الديمقراطية، لدفعها نحو تقديم تنازلات في الملفات الأمنية والعسكرية ضمن مسار التفاوض مع دمشق، بما يخدم إعادة ترتيب السلطة والسيطرة في شمال سوريا.

أما ما جرى في حيي الشيخ مقصود والأشرفية في مدينة حلب، فيمكن اعتباره نموذجًا عمليًا لهذه التفاهمات، إذ مثّل هجومًا منسقًا بين دمشق وأنقرة، جرى تمريره تحت أنظار الولايات المتحدة، التي اكتفت بدور المتفرج. ويعكس هذا المشهد نمطًا متكررًا في إدارة الصراع السوري، يقوم على غضّ الطرف الدولي مقابل ضمان مصالح القوى الكبرى والحفاظ على استقرار خطوط التماس الحساسة.

لقد أكدت هذه التطورات، مرة أخرى، أن الولايات المتحدة وروسيا، شأنهما شأن بقية القوى الدولية، لا تنطلق في سياساتها من منطق التحالفات الثابتة، بل من حسابات المصالح البحتة. وهي حقيقة مُرّة تتجدد أمام الكورد وسائر شعوب المنطقة مع كل محطة مفصلية.

تصعيد إعلامي

وفي مرحلة ما بعد حلب، تشير المعطيات إلى تصعيد منظم يتمثل في تنسيق عسكري متزايد بين دمشق وأنقرة، يشمل التحشيد واستخدام الطائرات المسيّرة ضد المناطق الخاضعة لسيطرة قوات سوريا الديمقراطية، ولا سيما غرب نهر الفرات. ويتزامن ذلك مع تصعيد إعلامي ممنهج، تقوده بعض القنوات العربية المعروفة، في إطار تمهيد نفسي وسياسي لجولة جديدة من الصراع.

فقد شنت قنوات مثل الجزيرة العربية والحدث حملات إعلامية منظمة تستهدف قوات سوريا الديمقراطية، عبر تشويه دورها في محاربة تنظيم داعش، ومحاولة إعادة توصيفها سياسيًا وأمنيًا من خلال تغيير تسميتها أو ربطها بسرديات تخدم أجندات إقليمية محددة. ويكشف هذا السلوك غير المهني عن الدور الوظيفي الذي باتت تؤديه بعض وسائل الإعلام في إدارة الصراعات، بدلًا من نقل الوقائع بمهنية وحياد. ورغم تمسك قوات سوريا الديمقراطية بخيار الحوار، وفق اتفاقية العاشر من آذار، إلا أن دمشق تمضي في تصعيد عسكري غير مبرر، مستغلة حالة الصمت الأميركي. ويعكس هذا المشهد مستوى متقدمًا من التنسيق السياسي والأمني والعسكري والإعلامي بين تركيا والسعودية وقطر، دعمًا لحكومة الجولاني، وموجّهًا بشكل مباشر ضد مناطق نفوذ قوات سوريا الديمقراطية في غرب الفرات. للتغاضي عن التنازلات الكبيرة عن الأراضي والسيادة التي قدمتها دمشق لإسرائيل في باريس. وقد شجّع هذا الواقع دمشق على توسيع طموحاتها العسكرية، عبر السعي للسيطرة على مناطق دير حافر ومسكنة، وربما سد تشرين في المرحلة المقبلة. ويأتي هذا التصعيد في إطار عملية تقودها تركيا، تهدف إلى إلغاء اتفاقية العاشر من آذار، وكذلك اتفاقية الأول من نيسان الخاصة بحيي الشيخ مقصود والأشرفية، مع ممارسة ضغوط عسكرية وسياسية متزايدة على قوات سوريا الديمقراطية لدفعها نحو تقديم تنازلات في أي مفاوضات مستقبلية.

وتجري كل هذه التطورات في ظل موقف سلبي من قبل دول التحالف الدولي ضد داعش، بقيادة الولايات المتحدة، التي باتت تلعب دور المتفرج، على خلاف المراحل السابقة. وإذا كان لهذا التحول من دلالة، فإنه يشير إلى وجود نوع من “الضوء الأخضر” في إدارة ترامب، ولا سيما بعد تقديم سلسلة من التنازلات لإسرائيل في باريس.

حالة توتر

في المحصلة، تبدو المنطقة اليوم في حالة توتر غير مسبوقة، وقابلة للاشتعال في أية لحظة، وتُعد هذه المرحلة من أخطر المراحل التي تواجه قوات سوريا الديمقراطية.

الأمر الذي يستوجب دراسة جميع السيناريوهات المــــــــــــــــحتملة بدقة وحذر، وتجنّب الانزلاق إلى مواجهة عسكرية واســـــــــــــــــعة في مناطق غرب الفرات، خاصة في ظل احتمال التحاق بقايا تنظيم داعش بالجماعات المسلحة المنضوية ضمن الجيش السوري.

 

 


مشاهدات 69
الكاتب طارق جوهر
أضيف 2026/01/14 - 3:12 PM
آخر تحديث 2026/01/15 - 6:30 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 195 الشهر 10926 الكلي 13118349
الوقت الآن
الخميس 2026/1/15 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير