الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
مدرسة مدام عادل الأهلية في بغداد .. صرح تعليمي سابق لعصره

بواسطة azzaman

مدرسة مدام عادل الأهلية في بغداد .. صرح تعليمي سابق لعصره

أطفال يقضون 9 ساعات مع معلماتهم

 هند النعيمي

 

عام 1932 قَدِمَت الى العراق، عائلة لبنانية مسيحية مكونة من ثلاثة أفراد فقط، التربوي الدكتور انيس عادل وزوجته زهورة إستيفان وشقيقتها فكتوريا، وبعد عام من إستقرارهم في بغداد، تقدمت السيدة زهورة بطلب الى وزارة المعارف (التربية حاليا) وحصلت بموجبه على إجازة لإفتتاح روضة أهلية، وإستأجرت لذلك دارا صغيرة في محلة الأورفلي، وأسست فيه أول دار رياض للأطفال أهلية في العراق، حملت إسم روضة عادل، لكن هذه الروضة - ولاحقا المدرسة - عُرِفت وإشتهرت بين سكان بغداد بإسم مدرسة (مدام عادل)، لأن زوجته هي من تدير العمل بمعظم تفاصيله.

حققت الروضة  نجاحا لافتا، وبناء على تقرير كتبه المفتش التربوي الذي زارها وأعجب بنظامها وطرق التعليم والعناية التي يتلقاها الأطفال فيها، ورغم أنها روضة وليست مدرسة، إلا أن الوزير إرتأى أن يشملها بالمساعدات السنوية إسوة بالتي كانت تقدمها الوزارة للمدارس الإبتدائية الأهلية.

بعد سنتين، أي في العام 1935، وبعد أن إزداد الأقبال عليها، عزَّ على مدام عادل أن تفرط بالأطفال التي إعتنت بهم طوال سنتين خلال مرحلتي الروضة والتمهيدي، فقررت تأسيس مدرسة إبتدائية لهم وفي دار أوسع وأكبر، فقابلت الوجيه البغدادي إبراهيم الأورفلي وطلبت منه إستئجار منزل كبير عائد له في نفس المنطقة، وافق الوجيه على طلبها، وساعدها في تخفيض قيمة بدل الإيجار السنوي، وطريقة دفعه على شكل أقساط ميسرة.

وفي إثر ذلك، تقدمت الست زهورة - أو مدام عادل كما يحلو للبغداديين مناداتها - بطلب جديد الى وزارة المعارف لإجازتها في فتح صفوف للدراسة الإبتدائية، وتم لها ما أرادت، ثم نشرت إعلانا في الصحف تطلب فيه معلمات ماهرات، وتقدم للمدرسة عدد غير قليل من خريجات المعاهد التعليمية، وبعد إختبار وتدقيق تم تعيين العدد المطلوب من بينهن.

إفتتحت المدرسة في نفس العام وفوجئت بالإقبال الكبير عليها، وحقق مشروعها منذ العام الأول نجاحا مرموقا ونتائج ممتازة.

أفخم بناية لمدرسة إبتدائية في العراق

بعد خمس سنوات من التقدم المطَّرد، قامت العائلة عام 1940 بشراء أرض واسعة في منطقة العلوية، وشيَّدت عليها مدرسة كبيرة بطراز حديث متكامل ليس له مثيل لا في العراق ولا في البلدان العربية، إستغرق بناؤها ما يقرب من أربع سنوات، وبكلفة مالية باهضة، وتم إفتتاحها بحضور ممثل عن وزير المعارف عام 1944.

كانت المدرسة الجديدة مكونة من ثلاث بنايات كبيرة، تشتمل الأولى على صفوف طلاب الإبتدائية، ملحق بها قاعة كبيرة للألعاب الرياضية، مع مكتبة تضم مئات الكتب والمجلات المخصصة للأطفال، مع صالة مخصصة للموسيقى، فيما خصّصت البناية الثانية لصفوف الروضة والتمهيدي مع قاعة وساحة للألعاب تطل على حديقة وارفة يمارس فيها الصغار أنشطتهم وألعابهم، أما البناية الثالثة فكانت تضم غرف الادارة، ومطعما يقدم فيه للطلاب يوميا وجبتي الإفطار والغداء.

وفي المدرسة حديقة واسعة وخلابة تحتوي على مسرح صيفي، وخلفها بناية القسم الداخلي لمبيت طلاب المحافظات والمدن البعيدة، إضافة الى مشتملات معزولة لسكن العمال والطباخين والحراس، كما خصصت خمس باصات كبيرة، إحداها ذو طابقين، لنقل التلاميذ من بيوتهم الى المدرسة وبالعكس.

لا بد أن نذكر هنا، أن واحدة من أهم الميزات المتعددة لمدرسة مدام عادل، أنها كانت أول مدرسة مختلطة في عموم العراق!، حرصا من الإدارة على تنشئة أجيال سويَّة ومتحضرة ومنسجمة ومتآلفة، خالية من ضروب الذكورية التي ما زالت واحدة من كوارث مجتمعاتنا العربية، يضاف الى ما تقدم، كانت مدرسة مدام عادل أول مدرسة يمتد دوامها من الساعة 8 صباحا حتى الساعة الرابعة مساءً!، ما يعني أن تلامذتها يقضون جُلَّ ساعات يومهم في المدرسة، ولم يتبق للعائلة سوى أربع أو خمس ساعات قبل أن يخلدوا للنوم.

كانت المناهج الدراسية المقررة من قبل وزارة المعارف تشكل الحد الأدنى من مناهج مدرسة مدام عادل، التي تضمنت – بالإضافة الى المنهاج الحكومي - حصصا وأنشطة متنوعة لإكتشاف المهارات العلمية والمواهب الادبية والفنية، بما فيها الموسيقى، إضافة الى حصص تربوية تتضمن تعليم الأتكيت والنظام والسلوك وتشذيب الأذواق، إضافة الى الضوابط الأخلاقية، فيما كانت اللغة الإنكليزية تدرَّس فيها منذ الصف الأول الإبتدائي خلاف كل مدارس العراق، كما تعاقدت المدرسة مع فنانين متخصصين في الفنون التشكيلية والموسيقية، كمحاضرين فيها.

ومن بين تقاليد المدرسة، حِرص مدام عادل على التواصل الدائم مع أولياء أمور الطلبة، وتبعث إليهم بتقارير شهرية، وتطلب منهم أن يتابعوا معها أطفالهم، ويخبرونها عن تفاصيل تخص سلوكهم وتصرفاتهم في البيت، ومدى مواضبتهم على إنجاز واجباتهم، مع توصية دائمة بضرورة أن يخلدوا للنوم مبكرا.

كان الانضباط الشديد والتقيّد بالتعليمات أحد أعراف هذه المدرسة، فقد غرست المدام في نفوس طلبتها حسن التعامل والتصرف مع الآخرين، والتأكيد على إحترام المعلم من دون خوف أو رهبة.

كانت هي من تفتش بنفسها التلاميذ اثناء الاصطفاف الصباحي، إبتداء من ترتيب الملابس والهندام والنظافة وإنتهاء بأظافر اليدين!

أما الهيئة التدريسية، فقد كانت المدام دقيقة جدا بإختياراتها، ولا تقبل إلا أفضل المعلمات علما وخبرة وسلوكا، وقدرة على التعامل السليم والحضاري مع الطلبة.

ووصلت أخبار السمعة الرفيعة والعالية التي إكتسبتها المدرسة الى جلالة الملك فيصل الثاني، فبعث من يمثله لزيارة المدرسة، والإشادة بالدور التربوي المهم الذي تقوم به، مع تكريم خاص للمدام زهورة وشقيقتها الست فكتوريا المشرفة على الروضة والمرحلة التمهيدية، للجهود الاستثنائية التي تبذلانها في عملهما، حتى غدت مدرسة مدام عادل أشهر مدرسة على الإطلاق، ليس في بغداد وحسب، بل وفي عموم العراق.

ومن تقاليد المدرسة أيضا، أن تقيم الإدارة سنويا إحتفالا بهيجا مع حلول أعياد الميلاد نهاية كل عام، تقدم فيه فرقتا المدرسة المسرحية والموسيقية عروضها تستعرض فيها مواهبها، فيما كان عددا من الطلاب يلقون القصائد الشعرية والمقالات الخطابية، وآخرين يقيمون معرضا لرسوماتهم وأعمالهم الفنية.

 وفي نهاية الإحتفال تقوم مدام عادل بتكريم المعلمات والعاملات بليرات ذهبية تقديرا لجهودهم.

وتجدر الإشارة هنا، أن كثير من الطلاب الذين درسوا في هذه المدرسة أصبحوا فيما بعد من المشاهير ومن أعلام البلد في تخصصاتهم المتنوعة، العلمية والسياسية والأدبية والفنية.

نهاية مؤسفة

ولكن، للأسف الشديد، وككل ظاهرة حضارية وجميلة في بلدنا تنتهي نهاية مأساوية، فقد إنتهى هذا الصرح العملاق على يد حكومة (الثورة) بداية العام 1969، أي بعد أشهر قليلة من إستلامها السلطة، فسطت وسرقت وصادرت المدرسة وكل ممتلكاتها (بشخطة قلم) تحت مسمى (التأميم) حسب مفاهيم (الحزب والثورة).

 دون أي تعويض، أما بحساب المفاهيم الإنسانية والأخلاقية فقد كانت تلك، عملية نهب وإغتصاب للممتلكات الخاصة، وسرقة علنية وسلب للحقوق، كما غيّرت إسمها من مدرسة مدام عادل الى مدرسة (العهد الجديد)، العهد الذي ريَّف الدولة والمدن وعسكَرَ المجتمع.

وعيّنت لها إدارة جديدة لم تنجح في الحفاظ على تقاليدها، وذوى بريقها وكل شيء جميل فيها، وفي العام 1973 ألغيت كل مناهجها وأقسامها وأنشطتها ومميزاتها، بما فيها ساعات الدوام.

أما عائلة زهورة إستيفان، فبعد أيام قليلة من مصادرة مدرستهم، ساءت صحة زوجها الدكتور أنيس عادل من أثر الصدمة ووافته المنية ودفن في بغداد، وفي مشهد تراجيدي وحزين ومؤلم، قررت مدام عادل مغادرة العراق مع عائلتها المكونة هذه المرة، من أبنائها نبيل وهيام وهدى.

 إضافة الى شقيقتها فكتوريا، وحزموا أمتعتهم وعادوا الى بلدهم لبنان مهيضي الجناح وبخفي حنين، وبهذا أسدل الستار على واحد من أهم الصروح التعليمية في العراق إمتد لما يقرب من أربعين عام، بل كان صرحا حضاريا سابق لعصره.

كانت تلك عائلة واحدة من ثلاثة أفراد، أو بتعبير أدق امرأة واحدة، وراء قيام أجمل نموذج تعليمي وتربوي كبير في تلك السنين الغابرات، نموذجا أطلق عليه البعض تسمية (المدرسة الأسطورة).


مشاهدات 153
الكاتب  هند النعيمي
أضيف 2026/01/17 - 12:21 AM
آخر تحديث 2026/01/17 - 9:45 PM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 731 الشهر 12879 الكلي 13120302
الوقت الآن
السبت 2026/1/17 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير