أمانة المسؤولية في إعلان العطل الدينية
رشيد العجيل
في بلد يعاني تحديات اقتصادية وتعليمية وصحية كبيرة مثل العراق يصبح إعلان العطل الرسمية في المناسبات الدينية والوطنية أمراً يتجاوز مجرد التقاليد ليصبح مسألة أمانة ومسؤولية. مثل تعطيل محافظات الجنوب التي تبعد مئات الكيلومترات عن الكاظمية في ذكرى استشهاد الإمام موسى الكاظم (عليه السلام)، رغم عدم وجود ضريح مقدس فيها. ما الداعي الحقيقي الى التعطيل الشامل في بعض المناسبات الذي يشل الحياة العامة؟الإسلام نفسه يرفع من شأن العمل ويجعله عبادة. يقول رسولنا الكريم (ص): «ما أكل أحد طعاماً قط خيراً من أن يأكل من عمل يده»، وفي رواية أخرى فضّل العامل الذي يتقن عمله على المتعبد الذي يترك العمل بحجة العبادة. هذا الحديث يؤكد أن العمل مقدس، وأن تعطيل الخدمات الأساسية كالمستشفيات والمدارس والأمن باسم الشعائر الدينية يتعارض مع روح الدين إذا أدى إلى ضرر مجتمعي واضح. فكيف يمكن تبرير إغلاق المستشفيات أمام مريض يحتاج رعاية طارئة أو حرمان طفل من يوم دراسي لأن مناسبة دينية وطنية أو شعبية تحدث في محافظة أخرى؟الأرقام تكشف حجم الكارثة: تشير تقارير وإحصائيات متعددة إلى أن العراق يشهد نحو 140–150 يوم عطل سنوياً (بما فيها نهاية الأسبوع والعطل الرسمية والمؤقتة والمحلية) مما يقلص أيام العمل الفعلية إلى حوالي 225 يوماً فقط. هذا يعني خسائر تنموية واقتصادية هائلة تصل إلى عشرات التريليونات من الدنانير، فضلاً عن تأثيرها المباشر على التعليم. ملايين الطلبة يفقدون أسابيع دراسية لا يمكن تعويضها مما يفاقم التفاوت التعليمي ويضعف جيل المستقبل.
مراجع دينية
قانون العطلات الرسمية رقم 12 لسنة 2024 حدد صراحة أن صلاحية تعطيل الدوام في المناسبات الدينية تقتصر على المحافظات التي تضم المراقد المقدسة (كالنجف وكربلاء والكاظمية وسامراء)، فلماذا تتجاوز بعض المحافظات هذا الحد؟الأدهى أن قرارات كهذه غالباً ما تُتخذ من قبل المحافظين دون استشارة المراجع الدينية العليا أو الجهات الحكومية المختصة. أليس الأجدر الرجوع إلى فتاوى المراجع الكبار الذين يؤكدون أن حفظ النفس والمصلحة العامة مقدم على بعض الممارسات الشعائرية إذا ترتب عليها ضرر؟ الدين لا يأمر بتعطيل مصالح الناس، بل يدعو إلى الوسطية واليسر.في الختام، أمانة المسؤولية تتطلب قرارات مدروسة تحمي المجتمع لا تعرقله. حان الوقت لإعادة ترتيب أولويات العطل الدينية والوطنية : الاحتفاء بالمناسبات في أماكنها الطبيعية مع الحفاظ على استمرارية الخدمات في باقي المحافظات. بهذا نجمع بين احترام الدين وقيمة العمل ونبني وطناً أقوى وأكثر عدلاً. فالعبادة الحقيقية في خدمة الناس لا في تعطيلهم.