هل لدينا ورش عمل مسرحية حقاً؟
الطريق الأقصر لتدريب الممثلين والارتقاء بقدراتهم
حيدر عبدالرحمن
تُعد الورشة المسرحية الطريق الأقصر لتدريب المسرحيين، وأكثر الأشكال العملية فاعلية في هذا المجال؛ فمن خلالها يمكننا بناء إعداد علمي وأكاديمي رصين، والارتقاء بقدرات الفنانين إلى المستوى المأمول، لا سيما فيما يخص لغة الجسد، الأداء، الإلقاء، وتفجير الطاقات الكامنة لدى الممثل، حيث تدمج الورشة بين الجانبين النظري والجسدي بشكل متوازٍ. يمتد نطاق هذه الورش من إعداد النص وصولاً إلى عملية الإخراج، وأداء الممثل، وضبط إيقاع الصوت والصور الجمالية المختلفة للعرض.
ومع ذلك، نلاحظ في كثير من معاهدنا وأكاديمياتنا ندرة في المتخصصين والخبراء، مما يدفع البعض للجوء إلى الورش المسرحية لسد النقص في احتياجات الممثل والمخرج، أو لإضافة معارف جديدة إلى تجاربهم السابقة تستند معظم هذه الورش إلى المناهج والأساليب التي وضعها عباقرة المسرح العالمي، أمثال: بريخت، ستانيسلافسكي، غروتوفسكي، مايرهولد، وبيتر بروك وغيرهم، بهدف إعداد الممثل، سواء المحترف الذي يحتاج لتطوير مهاراته باستمرار، أو الموهوب الذي يسعى لصقل أدواته بأسلوب أكاديمي وعلمي.فالممثل بحاجة دائمة للتجديد في أدائه، إذ لا حدود للإبداع، كما أن الورشة تمنحه فرصة لاكتشاف نقاط ضعفه ومعالجتها. واقع الورش المسرحية في مشهدنا المحلي في واقعنا،وتعد الورش المسرحية حالة نادرة، وقد لا نجد ورشة واحدة حقيقية على مدار العام. وهذا الغياب ينعكس سلباً على قدرات الممثل؛ فالورش لا تحقق أثرها ما لم تكن مستمرة، ومبرمجة، وتُطبق بشكل مرحلي وعملي، فضلاً عن كونها المصدر,الرئيس للوعي المعرفي للمسرحي.
سؤال جوهري
. وهنا يبرز سؤال جوهري: من هي الجهات المسؤولة عن فتح هذه الورش؟
بالتأكيد، كل جهة يعمل فيها الممثل معنية بذلك، بدءاً من الجامعات والمعاهد والأكاديميات، وصولاً إلى الفرق والمجموعات المسرحية. ويقع العبء الأكبر على المؤسسات المتخصصة مثل «مديريات المسرح» أو أقسام المسرح في كليات الفنون؛ إذ من الضروري توفير مختبرات مسرحية دائمة لتطوير القدرات الجسدية والصوتية والأداء
إن مخرجينا، في أغلب الأحيان، يقتصر تدريبهم على فترة التحضير لعرض مسرحي معين، ويكون التدريب محصوراً في خدمة ذلك العرض فقط، وليس لإعداد الممثل إعداداً مستداماً. كما أن معظم تلك التدريبات تظل تقليدية ومكررة، لعدم انفتاحها على المناهج العالمية أو التجارب الحديثة الاغتراب عن المناهج العالمية أكاد أجزم أن كثيراً من المخرجين التقليديين لا يمتلكون دراية كافية بالأساليب العلمية والأكاديمية المعاصرة التي يتبعها الممثلون عالمياً. وحتى المخرجون الشباب يفتقرون أحياناً للمصادر الكفيلة بتدريبهم وفق تلك المناهج، فيعتمدون على تجاربهم الشخصية. كثيرون يدّعون العمل بأسلوب «ستانيسلافسكي» أو «بريخت»، لكن السؤال هو: من منهم عاصر ورشة عالمية حقيقية حول هذه المدارس؟ وكيف استقوا تلك التجارب ليطبقوها هنا؟ من منهم ملمّ بمنهج «مايرهولد» أو «جاك ليكوك» أو «غروتوفسكي»؟ وما هي الورش المتخصصة في السينوغرافيا أو فن كتابة النص التي شاركوا فيها للخروج من قوالبهم الجامدة وتجديد فكرهم المسرحي؟ الكفاءات المهاجرة والفرص الضائعة في مضمار الورش المسرحية، يبرز اسم الدكتور فاضل جاف، الذي قدم ورشاً عديدة في أوربا ودول الخليج والمغرب العربي، إضافة لبعض الورش في كردستان. لكننا نرى عطاءه في المغرب وتونس والكويت أكثر مما هو عليه لمسرحيينا الشباب الذين هم في أمسّ الحاجة لخبرته. وللرجل مبرراته؛ إذ يقول إنه عرض مراراً تهيئة الأرضية لإقامة ورش عمل دون أن يُطلب منه ذلك، لكن الجهات المعنية لم تبالِ، بل ووضعت العراقيل أمامه، وهو يمتلك الوثائق الرسمية التي تثبت ذلك. كذلك الأمر بالنسبة للفنانين القديرين (نيكار حسيب قره داغي) و (شمال عمر)، صاحبي «مختبر لالش» في فيينا، والمعروفين عالمياً كخبيرين في إقامة الورش. ومع ذلك، لم تترك تجاربهما أثراً ملموساً في المسرح الكردي؛ ربما لأن الشعوب الأخرى استفادت من خبراتهما أكثر منا، ولذلك أسباب كثيرة. لا أفهم هذه المعادلة: لماذا يقيم «نيكار» و»شمال» ورشاً في اليابان وإيران والبوسنة وغيرها، بينما لا تولي مؤسساتنا الوطنية أهمية لاستقطاب هذه الخبرات لخدمة المسرح في بلدهم؟ رؤية للمستقبل قد نحتاج لخبراء عالميين، لكن الأهم هو البدء بخبرائنا المحليين والاستفادة من تجاربهم التي قد تكون أكثر ملاءمة لواقع المسرح الكردي اليوم. إن النهوض بالمسرح لا يتحقق بمجرد اعتلاء الخشبة دون النظر لمستوى العمل، بل بـ «تغيير دماء» المسرح عبر تربية جيل شاب أكاديمياً وعلمياً، وفتح مختبرات وورش مستمرة، وتضمين خططنا محاضرات حول عناصر العرض المسرحي وكيفية تطبيقها عملياً، مع التركيز على «جسد الممثل» كأداة رئيسية. في بلادنا، يلجأ المخرج للبروفات لإنجاز العرض فقط، ولا نعمل على بناء الممثل وتكريس معرفته الجسدية والثقافية بشكل دائم. لذا، نجد أداء الممثل يتفاوت ويضطرب من مخرج لآخر. نحن بحاجة ماسة للمختبر المسرحي لصقل مهارات قد لا يوفرها المخرج وحده؛ فممثل بوزن «لورانس أوليفيه» عمل لستة أشهر في المختبرات البريطانية لتعلم الإلقاء من أجل مسرحية «عطيل». نحن بحاجة لهذه المختبرات ليس فقط للمحترفين، بل لبناء جيل من المخرجين، والسينوغرافين، والمصممين الذين نفتقر إليهم اليوم بمعناهم الاحترافي.
□ ناقد مسرحي