الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
بافل و امە و التغییر الاجتماعي


بافل و امە و التغییر الاجتماعي

نبز شهرزوري

 

تُعدّ رواية «الأم» للأديب الروسي مكسيم غوركي واحدة من أبرز كلاسيكيات الأدب الواقعي الاشتراكي، إذ تجسّد التحوّل الإنساني والسياسي الذي شهدته الطبقة العاملة الروسية في مرحلة ما قبل الثورة البلشفية، من خلال قصة إنسانية مؤثرة عن الوعي و التضحية والتحرر.

تدور أحداث الرواية حول بيلاجيا فلاسوفا، الأم التي تبدأ رحلتها امرأةً روسية بسيطة تعيش في بيئة فقيرة، مثقلة بالخوف والخضوع، قبل أن تتحول تدريجياً إلى شخصية واعية بقضايا مجتمعها، مؤمنة بالمقاومة والنضال من أجل الحرية والعدالة. ويأتي هذا التحول بالتوازي مع مسيرة ابنها بافل فلاسوف، الذي يمثّل جيلاً جديداً من العمال، يمتلك إرادة صلبة واستعداداً للتضحية بالراحة الشخصية في سبيل قضيته. وهكذا تتحول الأم وابنها إلى رمزين للتحول الفكري والاجتماعي، وللإنسان القادر على تجاوز واقعه وصناعة مستقبل مختلف.

إن المغزى الأعمق للرواية لا يقتصر على النضال السياسي أو الصراع الطبقي، بل يتجاوزهما إلى رحلة الإنسان نحو الوعي والتحرر، وكيف يمكن للحب الأمومي، أن يتسع ليصبح موقفاً أخلاقياً واجتماعياً، ودافعاً للنضال من أجل حرية المجتمع وكرامة أفراده.

وانطلاقاً من هذه الدلالات، يمكننا استحضار أحداث الرواية وشخصيتي بافل ووالدته، وربطهما بواقعنا السياسي والاجتماعي، لا بوصفهما شخصيتين أدبيتين فحسب، بل باعتبارهما رمزاً لإمكانية التغيير حين يقترن الوعي بالإرادة، وتتحول المعاناة إلى دافع للإصلاح.

فمجتمعاتنا اليوم بحاجة إلى استعادة الثقة بقدرتها على التغيير، ومقاومة اليأس، ونشر الوعي السياسي والفكري. فالتغيير المجتمعي لا يتحقق بالأمنيات وحدها، ولا بالشعارات، بل يتطلب عملاً فردياً وجماعياً منظماً.

إن ترسيخ العدالة الاجتماعية داخل مؤسسات الدولة يتطلب تبنّي استراتيجيات وطنية واضحة، تحظى بدعم المجتمع ومشاركته الفعلية، فالمجتمع الذي يتطلع إلى مستقبل أفضل لا يحتاج إلى الوعود الشفهية، بقدر حاجته إلى إجراءات ملموسة تعالج أوجه الخلل وتكرّس مبدأ المساواة أمام القانون.

ولعلّ الخوف والتردد في مواجهة مظاهر الخلل من العوامل التي تعرقل مسيرة الإصلاح وتؤخر تحقيق أهدافه. لكن حين يدرك المواطن حجم الفجوات الاجتماعية، ويفهم الأسباب الجذرية للتهميش والحرمان في مجالات العمل والتعليم والصحة والمساواة، يصبح أكثر قدرة على المطالبة بحقوقه.

فالأمل ليس مجرد شعور عابر، بل قوة تدفع الإنسان إلى مواجهة الصعوبات، وفي هذا السياق تعبّر مقولة «الآمال العظيمة تصنع الأشخاص العظماء»، المنسوبة إلى توماس إديسون، عن أهمية الطموح والإيمان بالقدرة على تجاوز الواقع وصناعة التحول.

ومن هنا، فإننا بحاجة إلى بافل وامە من جديد؛ لا لاستنساخ تجربتهما، بل لاستلهام ما يمثلانه من وعيٍ وشجاعة وإرادة للتغيير. نحن بحاجة إلى مواطن يدرك حقوقه وواجباته، وإلى مجتمع لا يكتفي بمراقبة الأحداث فقط.

فهل نمتلك اليوم شجاعة بافل، ووعي بيلاجيا، لنحوّل الأمل من أمنية إلى مشروع، ومن فكرة إلى ممارسة، ومن مطلب اجتماعي إلى واقعٍ يضمن الكرامة والعدالة للجميع ؟

 


مشاهدات 21
الكاتب نبز شهرزوري
أضيف 2026/10/19 - 3:13 PM
آخر تحديث 2026/10/20 - 1:11 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 144 الشهر 37809 الكلي 16622978
الوقت الآن
الثلاثاء 2026/10/20 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير