جدليّةُ الأسطورةِ والدولةِ في حضاراتِ جنوبِ العراق القديم
قراءةٌ في البنيةِ الاجتماعيةِ والاقتصاديةِ لدويلاتِ عصرِ فجرِ السلالات
أسامة عبد الأمير البدران
المقدمة
يبدوُ أنَّ الصراعَ على مياهِ السقي كان محتدمًا في عصرِ فجرِ السلالات وتأسيسِ ما يُسمّى بدولةِ المدينة، حيث كانت الحاجةُ مُلحّةً من أجلِ توفيرِ العيشِ الرغيدِ للتنوّعِ الطبقيِّ لأفرادِ الشعب، في فترةٍ كانت تعيشُ فيها دولُ العالمِ أجمع في الدورِ الصوريِّ الكتابي، وكانت دُويلاتُ جنوبِ العراق منهمكةً بتأمينِ متطلباتِ الطبقاتِ الأرستقراطية في مدنٍ تتشابهُ كثيرًا في طُرقِ إدارتها وتنظيمها وعمرانها، وحتى في مؤسساتِها الاقتصاديةِ والعسكريةِ والصناعيةِ والدينية.
ويبدوُ أنَّ طبيعةَ التنافسِ على المواردِ الزراعيةِ وشبكاتِ الريِّ كانت من أبرزِ الأسبابِ التي دفعت تلك الدويلات إلى الدخولِ في صراعاتٍ مستمرة، خصوصًا في ظلِّ محدوديةِ الأراضي الصالحةِ للزراعة وكثافةِ النشاطِ السكانيِّ والتجاريِّ في جنوبِ بلادِ الرافدين.
ومن خلالِ قراءةِ النصوصِ المسماريةِ والسجلاتِ الاقتصاديةِ المكتشفة، يمكنُ ملاحظةُ أنَّ المعبدَ لم يكنْ مجردَ مؤسسةٍ دينيةٍ بالمعنى الأسطوريِّ الشائع، بل كان مركزًا اقتصاديًّا وإداريًّا وسياسيًّا يرتبطُ مباشرةً بإدارةِ الأرضِ والعملِ والتجارة.
دولةُ المدينةِ والصراعُ على الموارد
وممّا يجدرُ الإشارةُ إليه أنَّ كثرةَ استخدامِ كلمةِ المعبدِ والآلهة، التي يلهجُ بها المستشرقون منذ عامِ 1700 ميلادي في أوّلِ إرسالياتٍ لنصوصٍ سومريةٍ مكتشفةٍ ومدوّنةٍ بدقّةٍ من قبلِ العالمِ نيبور، حيث أرسل صورَها إلى الجمعياتِ الملكيةِ في أوروبا، وقد اعتُقد سابقًا أنّها نوعٌ من أنواعِ الزخرفةِ تُستخدمُ لتزيينِ الحجر، قد ساهمت في انتشارِ الأسطورةِ في القصصِ السومريةِ والبابليةِ والآشورية.
ولكن بعضَ النصوصِ التي اكتُشفت في فارس، مع مساعدةٍ من الوعيِ التاريخيِّ الذي كتبه أبو التاريخ هيرودتس حول أساطيرِ فارس وقورش «كورش» الواردةِ في التوراة، بحيث تحوّل لفظُ «دارا» إلى «داريوش»...
وهكذا كان اسمُ دارا واسمُ أحشويريش وهستابس، الذين عُرفوا بهذه الأسماء من نصوصٍ توراتية، إلى شفرةٍ لفكِّ الرمزِ لنمطِ الكتابةِ المسمارية، وأصبحت أماكنُ العبادةِ التي سُخّرت لخدمةِ روّادِ المجتمعِ المرفَّهين بسببِ نظامِ دولةِ المدينة طلبًا للعبادة، كما هو موجودٌ في يومِنا هذا من كثرةِ المساجدِ والمراقد وكثرةِ المؤسساتِ الاقتصاديةِ التابعةِ لها والموظفين، والأسماءِ التي تُطلقُ عليها مثل: جامعِ فلان، ومسجدِ فلان، وحسينيةِ فلانة، ومرقدِ فلان، بل وحتى خانِ فلان؛ هي نفسها في تلك العصور.
ولو عاش أحدُ المستشرقين الحالمين بنبشِ القبور لاستخلاصِ الكنوزِ المدفونةِ مع صاحبِ القبر، لقالوا إنَّ العربَ المسلمين لهم معابدُ بأسماءِ آلهتِهم التي يعبدونها، لجهلِهم بثقافةِ هذه الشعوب فقط.
ومن هنا تأتي هذه القراءة بوصفِها محاولةً لتقديمِ مقاربةٍ مختلفةٍ في فهمِ طبيعةِ المعابدِ ووظيفتِها الاجتماعية، وهي مقاربةٌ تعبّر عن رؤيةِ الباحثِ وتحليلِه الخاصِّ للنصوصِ والبُنى الحضارية.
وإنَّ الإسقاطَ الأسطوريَّ الذي حصل بفبركةِ الباحثين والمؤرخين يتكلّمُ عنه العلّامةُ طه باقر بصورةٍ صريحةٍ في خطأٍ منهم لمجرّدِ إشاعةِ روحِ الأسطورةِ على حضارةِ أرضِ الرافدين، والتي كانت دُويلاتُ الجنوبِ المتجاورةُ تعيشُ في نزاعٍ طبيعيٍّ فيما بين جيرانها.
وكانت الحروبُ التي تحدثُ طبيعيةً جدًا حينما تتطوّرُ وتتوسّعُ المدنُ المشيّدةُ على مساحةِ أرضٍ لا تسعُ لرعيِ أغنامِهم، وأنهارٍ لا تُشبعُ مزارعَ معابدِهم، كدولةِ لجش التي كانت مساحتُها التقديريةُ استنادًا إلى نصوصٍ معاصرةٍ لقيامِها (18) ميلًا مربعًا، وسكانُها يصلون إلى (36) ألفَ نسمة.
أمّا سكانُ دولةِ المدينةِ في تلك الفترة فقد يصلون إلى (100) ألفِ نسمة.
وقد أشارَ طه باقر في كتابه «مقدمة في تاريخ الحضارات القديمة» إلى أنَّ المعبدَ في حضاراتِ جنوبِ العراق لم يكنْ مؤسسةً دينيةً فحسب، بل كان مركزًا اقتصاديًّا وإداريًّا يُشرفُ على الأراضي والعمّال والتجارة، وهو ما ينسجمُ مع طبيعةِ التنظيمِ المدنيِّ الذي عرفته دُويلاتُ عصرِ فجرِ السلالات.
كما يذكرُ صموئيل نوح كريمر في «History Begins at Sumer» أنَّ التنافسَ بين المدنِ السومريةِ كان مرتبطًا ارتباطًا مباشرًا بالسيطرةِ على المياهِ والأراضي الزراعية وشبكاتِ الري.
المعبدُ بين الوظيفةِ الاقتصاديةِ والإسقاطِ الأسطوري
وممّا يجدرُ الإشارةُ إليه أنَّ قلبَ المدنِ في عصرِ فجرِ السلالات كان يُلفظُ باللغةِ الأكدية (بابل وآشور) بلفظِ (كبالتي إيلي)، أو بلفظٍ أدقّ: إنَّ كلَّ مراكزِ المدنِ تُسمّى بلفظِنا الدارج «قبلة علي»، وربّما يُطلقُ على الأجزاءِ القديمةِ من المدن بحسبِ بعضِ الآراء، ولكنّني أعتقدُ أنَّ المركزَ حينما يمرُّ عليه زمنٌ وبتأثيرِ عواملِ الحربِ والزحفِ السكانيِّ يصبحُ طرفًا بعد أن كان مركزًا.
أمّا من بابِ التقاربِ اللفظيِّ بين العربيةِ والأكدية، فإنَّ أغلبَ النصوصِ تؤكّدُ على أنَّ بوابةَ المدينةِ وسورَها، الذي يكونُ قريبًا من القصرِ وبيوتِ الحضر، يُطلقُ عليها (بابتو)، أو بالسومرية (دكي)، من دقَّ يدقُّ دقَّ الباب.
ودكي اللفظُ للكافِ هو (G) الإنكليزيُّ نفسه، وهناك كثيرٌ من الكلماتِ التي تخصُّ المعبدَ وتأتي مركّبةً مع أسماءِ الكهنةِ والمقدّسين، التي يحلو للمستشرقِ تسميتُها آلهة، مثل: (إيا)، و(أنا)، و(شمش)، و(ماردك).
وكانت بورسبا مركزَ معابدِ الإيزيدا وكاهنُها نابو، وبابل مركزَ معبدِ إيساجيلا والدِ نابو.
وإنانا هي عشتار بلفظِ المستشرق، وإستر بلفظِ التوراتيين، ودموزي الراعي هو تموز نفسه، وأقدمُ ذكرٍ لإنانا ودموزي كان في الوركاء، وانتقل إلى الدويلاتِ والممالكِ المتجاورةِ كجزءٍ من منظومةِ التلاقحِ الفكريِّ والثقافيِّ وكثرةِ التجارةِ بين هذه الدويلاتِ المتجاورة، ولفترةٍ زمنيةٍ كافيةٍ جدًا لانتقالِ مراكزِ العبادةِ هذه وانتشارِها في الجنوبِ الخصبِ بأكمله نحو الشمال.
والذي هُوِّل من خصامِ الجنوبِ والوسط، المتمثّلِ بأقلامِ المستشرقين، والمتمثّلِ بالصراعِ الأسطوريِّ بين سومر وأكّد، وهو أصلًا لا يعدو كونَه صراعًا داخليًّا في ممالكَ متجاورةٍ لم تعرفِ الهدوءَ لفترةٍ كافيةٍ منذ تاريخِ تأسيسِها، بسببِ سرعةِ انفعالِها المدنيِّ وتطوّرِها السريعِ الذي يجعلُها عطشى للمواردِ دومًا وفي تزايدٍ مستمر.
ويرى جورج رو في كتابه «Ancient Mesopotamia» أنَّ القراءةَ الأوروبيةَ المبكرةَ للنصوصِ المسماريةِ تأثّرت كثيرًا بالخلفيةِ التوراتيةِ والأسطورية، وهو ما انعكسَ على طريقةِ تفسيرِ أسماءِ الآلهةِ والمعابد.
كما يشيرُ طه باقر في «من تراثنا اللغوي القديم» إلى أنَّ عددًا كبيرًا من الألفاظِ العراقيةِ الدارجة يحملُ امتداداتٍ لغويةً ضاربةً في القِدم، خصوصًا في البيئةِ الجنوبيةِ لبلادِ الرافدين.
تموزُ وعشتارُ والتلاقحُ الحضاري
تموز، ديموزي الراعي، زوجُ عشتار «إنانا» زهرةِ السماء، له أختٌ اسمُها (كشتن-أنا)، بمعنى خمرةِ السماءِ، ولاحظْ أنَّ مقطعَ (نا) يدلُّ على السماء.
كشتن الخمرة «الكشتة»، ومن يعملُ في تخميرِ الجصِّ والبوركِ الأبيضِ في البناء خبيرٌ، بمعنى كشتةِ خمرةِ البوركِ الأبيض «القشطة»، قيمرِ السماءِ وبياضِ الثلج.
وSnow White في القصصِ الشعبيةِ الأوروبيةِ المسروقةِ من تراثِ ممالكِ سومر الشعبي وطبقاتِ مجتمعِها الأرستقراطيِّ الذي يهوى قصصَ الحبِّ والجمال، ويتميّزُ أفرادُه بالرفاهيةِ والخيالِ الخصب.
وهي نفسُ قصةِ أدونيس وبرسيفونيس وأفروديت الإغريقية.
ومن هنا يمكنُ فهمُ الطريقةِ التي أُعيدَ فيها إنتاجُ الرموزِ والأساطيرِ القديمةِ ضمن أطرٍ دينيةٍ وأدبيةٍ مختلفة. وكلُّ إسقاطاتِ ميثولوجيا الإغريق ورواياتِ التوراةِ المزروعةِ في أذهانِ المستشرقين تمَّ إسقاطُها على حضارةِ سومر وبابل وآشور لإضفاءِ الطابعِ الأسطوريِّ الخرافيِّ عليها.
في حينِ أنّه من خلالِ الاطلاعِ على السجلاتِ التاريخيةِ المكتشفةِ في دولةِ لكش، على سبيلِ المثال، تستطيعُ معرفةَ مدى اتساعِ النشاطِ التجاريِّ الذي تمارسهُ المعابدُ في تلك الفترة.
وكانت هذه المعابدُ تمثّلُ مؤسساتٍ اقتصاديةً متكاملة، تحتوي على شبكاتٍ واسعةٍ من العمّال والإداريين والأراضي الزراعية. ولو أخذنا معبدَ ننجرسوا فقط في السجلات، فقد كان يتبعُه (6000) من العمالِ والخدمِ الإداريين «الموظفين»، بما يضاهي موظفي إحدى العتباتِ المقدسةِ في عصرِنا هذا، الذين يمارسون نفسَ النشاطِ الخدميِّ والتجاريِّ والاقتصادي.
وعددُ الموظفينَ للمعابدِ في لجش من العبيدِ والأحرارِ يصلُ إلى زهاء (30) ألفًا بحسبِ السجلاتِ والنقوشِ المكتشفة، مع (600) ألفِ مترٍ مربعٍ من الأراضي الزراعية، أي إنَّ المعبدَ يملكُ ربعَ مساحةِ الدولةِ على أقلِّ تقدير.
مع الأخذِ بنظرِ الاعتبارِ سعةَ الأراضي التي تمتلكُها الطبقاتُ الأرستقراطيةُ الحاكمة، والحاكمُ كان يُسمّى (الإنسي) Ensi.
ويذكرُ ثوركيلد جاكبسون في كتابه «The Treasures of Darkness» أنَّ أساطيرَ تموز وعشتار ارتبطت بالدورةِ الزراعيةِ ومواسمِ الخصب والموت والانبعاث، قبل أن تتحوّلَ لاحقًا إلى ميثولوجيا دينيةٍ متداولة.
كما يوضحُ هنري فرانكفورت في «Kingship and the Gods» أنَّ العلاقةَ بين السلطةِ السياسيةِ والمعبدِ في حضاراتِ وادي الرافدين كانت علاقةَ تداخلٍ عضوي، لا انفصالٍ بينهما.
اللغةُ والهويةُ الحضاريةُ في جنوبِ العراق
ومن الجديرِ بالذكر أنَّ الوراثةَ للأرضِ لا يصحُّ فيها نقلُ الملكيةِ إلّا بإذنِ مجلسِ المدينة، وهذا الكلامُ في حدودِ (3000) عامٍ قبل الميلاد في أرضِ جنوبِ العراق الحالي، الذي كان عبارةً عن مستنقعاتٍ وأهوارٍ ونخيلٍ وبطائح.
وكان يُسمّى حاكمُها في السابق، والذي يُعيَّنُ من الطبقاتِ الأرستقراطيةِ والشيوخِ والكهنة، باسمِ (شيبوت إيلي) بالسومرية، والذي نلفظُه بلسانِنا «شيبة علي».
ولو كان أدنى مستشرقٍ ورحّالةٍ يعلمُ مدى عمقِ هذا الاسمِ في تراثِ جنوبِ ووسطِ العراق وتجذّرِ الحبِّ اللاإراديِّ لهذا الاسم، لمزّق كلَّ كتبِ تاريخِ إسلامِ صحراءِ نجد، التي لا ذكرَ فيها لعليٍّ أقدمَ من روايةِ بخاريِّها وكلينيِّها.
في حين أنَّ نقشَ شيبة علي، وقبلة علي، وقنبر علي، والأمير علي، وأبو الحسن والحسين ابن أبي طالب، وحمورابي العراق، وكلكامش الجلجلة، ومعابد بورسبا، وزيدها المبارك المقدس المعمّد لكل نابو فيها، ونبي وايلو وولي وانو وإنانا، قشطة سماءِ الوركاء وزهرائها، ميزوبوتاميا وسيد بطحائها وملك أنهارها الفرات العذب، شيبة الحمد...
ويشيرُ جان بوتيرو في كتابه «Mesopotamia: Writing, Reasoning and the Gods» إلى أنَّ اللغةَ المسماريةَ لم تكن مجرّدَ وسيلةِ كتابة، بل كانت انعكاسًا كاملًا لبنيةِ المجتمعِ ومخيالِه الدينيِّ والسياسيِّ والاقتصادي.
كما يرى إغناس جِلب في «A Study of Writing» أنَّ تطوّرَ الكتابةِ في بلادِ الرافدين ارتبط بالحاجةِ الإداريةِ والاقتصاديةِ أكثر من ارتباطِه بالطقوسِ الدينية وحدها.
تأملاتٌ في قراءةِ حضاراتِ الرافدين
إنَّ القراءةَ السائدةَ لحضاراتِ سومر وأكّد وبابل وآشور، كما قدّمتها المدرسةُ الاستشراقية، أسهمت بصورةٍ كبيرةٍ في تكريسِ البعدِ الأسطوريِّ على حسابِ البعدِ الاجتماعيِّ والاقتصاديِّ والواقعيِّ لتلك الحضارات.
وتحاولُ هذه الدراسةُ تقديمَ مقاربةٍ فكريةٍ بديلة، تنطلقُ من إعادةِ قراءةِ النصوصِ والأسماءِ والبُنى الاجتماعيةِ قراءةً محليةً متصلةً بعمقِ البيئةِ العراقيةِ وتراثِها الشعبيِّ واللغوي.
كما أنَّ كثيرًا من المقارناتِ والتأويلاتِ الواردةِ في هذا المقال تمثّلُ رؤيةَ الكاتبِ وتحليلَه الشخصيَّ للنصوصِ والعلاقاتِ الحضارية، ضمن محاولةٍ لإعادةِ التفكيرِ في تاريخِ جنوبِ العراق القديم بعيدًا عن القوالبِ الجاهزة.