الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
حين كانت الخبرة ضميراً

← بواسطة azzaman

هاشتاك الناس

حين كانت الخبرة ضميراً

ياس خضير البياتي  

 

لم تكن الحياة في سبعينيات القرن الماضي أكثر رفاهية مما هي عليه اليوم، ولم تكن الورش مجهّزة بالأجهزة الحديثة، ولا كانت شركات الخدمات تمتلك ما نراه الآن من تقنيات ومعدات. ومع ذلك، كان بين أيدينا رجال يعرفون مهنتهم كما يعرف المرء خطوط كفّه؛ يكتشفون العطل من صوته، ويقرأون الخلل من علاماته الصغيرة، ويصلون إلى موضع المشكلة بعقلٍ مدرّب ويدٍ خبيرة وضمير لا يسمح له بأن يترك العمل ناقصًا.

كان عامل البناء يومذاك «أسطى» بحق، لا مجرد شخص يحمل الطابوق ويخلط الإسمنت. كان مهندسًا بفطرته وخبرته، يعرف كيف يستقيم الجدار، وكيف تتوازن الزوايا، وكيف تتحول قطع الطابوق إلى بناء متماسك، حتى من دون أجهزة القياس الحديثة والوسائل المتطورة التي يمتلكها عمال اليوم. كانت عيناه ميزانًا، وخبرته مسطرة، وسمعته رأس ماله الذي يحافظ عليه أكثر مما يحافظ على أدواته.

وكذلك كان عمال المجاري والصرف الصحي؛ رجالًا يمتلكون معرفة دقيقة بمسارات الأنابيب، ويفهمون طبيعة الأعطال، ويعرفون كيف يتتبعون المشكلة حتى يصلوا إلى جذورها. لم تكن المسألة عندهم تخمينًا عشوائيًا، ولا استعراضًا للمعرفة أمام صاحب المنزل، بل تشخيصًا يستند إلى سنوات من الممارسة والتجربة. أما عمال الكهرباء، فكانوا يعرفون أن الخطأ الصغير قد يتحول إلى خطر كبير، ولذلك كانت الخبرة والحذر والدقة جزءًا من مهنتهم، لا إضافات يمكن الاستغناء عنها.

لم يكونوا جميعًا ملائكة، ولم يكن الماضي خاليًا من الغش والإهمال، لكن كثيرًا من أصحاب المهن كانوا يرون في إتقان العمل مسألة كرامة قبل أن تكون وسيلة لكسب الرزق. كان الأسطى يخشى أن يقال عنه إنه لا يعرف صنعته، وكان العامل يعتز بقدرته على حل مشكلة استعصت على غيره. وكانت سمعة الرجل تسبقه إلى البيوت، فإذا أُشير إليه قيل: «هذا يعرف شغله»، وكانت تلك العبارة شهادة مهنية أثمن من أي إعلان تجاري.

وقد اكتشفت ذلك بنفسي، لا من خلال دراسة نظرية عن تراجع جودة الخدمات، بل عبر تجربة منزلية بدأت بخلل في منظومة المياه أثّر في عمل المكيّف (السبلت)، فتدفّقت المياه منه كأنها شلالات طبيعية، وانتهت باكتشاف خلل آخر، أشدّ غرابة، في طريقة تفكير بعض العاملين في هذا المجال!

استعنت بشركات، وجاء مهندسون، وحضر أسطوات من هذا الزمن، وكل واحد منهم كان يحمل تفسيرًا مختلفًا للمشكلة. استمعت إلى تشخيصات متباينة، واجتهادات متناقضة، واقتراحات تتطلب أحيانًا تغيير أجزاء لا يبدو أنها مسؤولة عن العطل أصلًا. كان كل واحد يتحدث بثقة الخبير الذي اكتشف سرًّا لم يكتشفه أحد قبله، ثم يغادر تاركًا وراءه المشكلة نفسها، وربما فاتورة جديدة، ومزيدًا من الحيرة.

ولأنني لم أجد الحل لدى أصحاب الخبرة المعلنة في اربيل، لجأت إلى نصيحة بعض الأصدقاء، وكانت نصيحتهم بسيطة، لكنها تستحق أن تُكتب بماء الذهب: اترك هؤلاء، وابحث عن خبراء السبعينيات؛ أولئك الذين تعلموا المهنة بالممارسة، وصقلوا خبراتهم بالتجربة، وعرفوا أسرارها قبل أن تتحول إلى سوق مزدحمة بالشعارات.

استجبت للنصيحة، وحضر الرجلان اللذان أودّ أن أذكر اسميهما هنا، لا من باب المجاملة أو الدعاية، بل من باب الشهادة التي أجدها واجبًا مهنيًا وأخلاقيًا، وهما الأخوان عبد السلام محمد عباس وعمار محمد عباس من بغداد .

جاءا، وعاينا المشكلة، وبدآ العمل بعقلية مختلفة. هنا لم أكن أمام انتصار رجلين على مشكلة فنية فحسب، بل أمام درس في معنى الخبرة الحقيقية. فالخبير ليس من يكثر الكلام عن المشكلة، وإنما من يحسن تشخيصها.

وذكر الرجلان بشيء من الأسى أن مقاول هذا العصر بات يبحث عن الربح السريع أكثر من بحثه عن جودة العمل؛ فهو يفضّل عمالةً رخيصة ومواد تجارية بأقل الأثمان، حتى في المجمعات السكنية الحديثة ببغداد والمحافظات. وأكّدا أن الفرق بين أسلوبهما وما يجري اليوم كبير؛ فهما يقدّمان ضمانات تصل إلى عشرين عامًا، فيما تظهر عيوب بعض الأعمال الحديثة خلال عام واحد فقط.

لقد علمتني هذه التجربة أن بعض الخبرات لا تشيخ، وأن المهارة التي صقلتها عقود من العمل قد تكون أثمن من أحدث الأدوات حين تغيب عنها البصيرة. كما علمتني أن الوفاء لأصحاب المهن المتقنة لا يكون باستعادة ذكريات الماضي وحدها، بل بذكر أسماء من يستحقون التقدير، والاعتراف بفضلهم، وإعادة الاعتبار إلى قيمة العمل المتقن.

ربما لا نحتاج إلى العودة إلى السبعينيات بكل ما فيها، ولا إلى رفض التكنولوجيا الحديثة، وإنما نحتاج إلى استعادة ما كان يستحق البقاء من أخلاق تلك المرحلة: احترام المهنة، وإتقان العمل، والصدق مع الزبون، والاعتزاز بالخبرة.

فالماء قد يجد طريقه إلى الأنبوب بعد إصلاحه، والكهرباء قد تعود إلى مصابيح البيت، والجدار قد يستقيم بعد ترميمه، لكن الثقة إذا تصدعت لا يصلحها إسمنت ولا لحام ولا فاتورة مختومة.

yaaas@hotmail.com


مشاهدات 44
الكاتب ياس خضير البياتي  
أضيف 2026/10/18 - 2:55 PM
آخر تحديث 2026/10/19 - 1:54 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 162 الشهر 35728 الكلي 16620897
الوقت الآن
الإثنين 2026/10/19 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير