الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
كركوك… حين يصبح الوطن مصدرًا للخوف بدلًا من الأمان

← بواسطة azzaman

كركوك… حين يصبح الوطن مصدرًا للخوف بدلًا من الأمان

غارسيا ناصح

 

ما يحدث في مدينة كركوك، باسم الحكومة والقانون، يثير أسئلة خطيرة عن العدالة والمواطنة وحقوق الإنسان. فحين يجد المواطن الكردي نفسه أمام خطر فقدان أرضه الزراعية، أو هدم بيته أو محله بحجة التجاوز، وحين تترافق هذه الإجراءات، بحسب ما يرويه المتضررون، مع أساليب تستفز الناس وتمس كرامتهم، يصبح من حقنا أن نتساءل: أين تقف العدالة؟ ولمن يُطبَّق القانون؟

إن القضية ليست مجرد أراضٍ زراعية أو بيوت ومحلات، وليست خلافًا إداريًا يمكن اختزاله في قرارات وأوراق رسمية. إنها قضية إنسان يخشى أن يفقد ما بناه طوال سنوات عمره، وأرض ارتبطت بذاكرته وعائلته وتاريخه، وكرامة مواطن يريد أن يعيش في مدينته دون خوف أو شعور بالاستهداف.

إذا كانت هناك تجاوزات على أملاك الدولة أو مخالفات قانونية، فإن معالجتها يجب أن تتم وفق القانون، وبإجراءات واضحة وعادلة، مع ضمان حق الاعتراض والطعن، وحماية حقوق الملكية المشروعة. أما أن يشعر المواطن بأن القانون يُستخدم ضده، أو أن الإجراءات تستهدفه بسبب هويته القومية، فذلك يفتح الباب أمام مزيد من انعدام الثقة ويعمّق الجراح بين أبناء المدينة.

القانون الذي لا يحمي الجميع بالمعيار نفسه يفقد ثقة الناس، والدولة التي لا يشعر مواطنوها بالأمان في بيوتهم وأراضيهم تواجه سؤالًا جوهريًا عن معنى المواطنة.

كركوك ليست ملكًا لقومية واحدة، ولا يجوز أن تتحول إلى ساحة يشعر فيها أي مكوّن بأن وجوده أو حقوقه مهددة. إنها مدينة متعددة القوميات والثقافات، عاش فيها الأكراد والعرب والتركمان وغيرهم، ولكل أبنائها حقوق يجب احترامها، بعيدًا عن سياسات الإقصاء والتمييز والخوف.

إننا لا نطالب بامتيازات للأكراد على حساب الآخرين، ولا نريد ظلم إنسان من أجل إنصاف إنسان آخر. نحن نطالب بالعدالة، وبأن تكون كرامة المواطن وحقوقه مصونة، وألا تتحول الإجراءات الحكومية إلى مصدر لمعاناة الناس أو وسيلة لزيادة التوتر القومي.

وإذا كانت هناك قرارات بهدم البيوت والمحلات أو استرداد الأراضي، فمن حق المتضررين أن يعرفوا الأسس القانونية التي استندت إليها، وأن يحصلوا على فرصة حقيقية للدفاع عن حقوقهم، وأن تُراجع الحالات المتنازع عليها مراجعة مستقلة وشفافة. كما تقع على عاتق السلطات مسؤولية منع أي تمييز أو استفزاز، والتحقيق في الشكاوى وضمان عدم استغلال القانون للإضرار بأي مكوّن من مكونات المدينة.

إن ما يحدث في كركوك، وفق الشكاوى والمخاوف التي يعبّر عنها المواطنون الأكراد، يستحق اهتمامًا جادًا ومتابعة حقوقية وقانونية، لا التجاهل ولا الاكتفاء بالتبريرات الرسمية. فسلام المدن لا يُبنى بالقوة، ولا تُصان هيبة الدولة بإخافة مواطنيها، بل بإقامة العدل بينهم.

أليس من حق الإنسان أن يعيش في أرضه، وأن يحمي بيته، وأن يفتح محله، دون أن يخشى أن يصبح كل ذلك مهددًا في أي لحظة؟

إنني أكتب هذه الكلمات من منطلق الحرص على الإنسان وكرامته، وعلى كركوك ومستقبلها. فالوطن الذي نحلم به هو الذي يشعر فيه الكردي والعربي والتركماني، وكل مواطن عراقي، بأن القانون يحميه، وأن حقوقه لا تتوقف على هويته القومية أو انتمائه.

كركوك تحتاج إلى العدالة، لا إلى مزيد من الاحتقان. تحتاج إلى إجراءات قانونية شفافة، لا إلى قرارات تترك الناس في الخوف والقلق. وتحتاج إلى دولة تجمع أبناءها تحت سقف الحقوق المتساوية، لا إلى واقع يشعر فيه بعض المواطنين بأنهم أقل أمنًا من غيرهم.

فالأرض ليست مجرد تراب، والبيت ليس مجرد جدران، والكرامة ليست تفصيلًا يمكن تجاهله. إنها حقوق الإنسان، وحين تُمس هذه الحقوق، يصبح الصمت عنها تخليًا عن مسؤوليتنا الأخلاقية.

 

 


مشاهدات 68
الكاتب غارسيا ناصح
أضيف 2026/10/11 - 3:24 PM
آخر تحديث 2026/10/12 - 1:06 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 119 الشهر 20555 الكلي 16605724
الوقت الآن
الإثنين 2026/10/12 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير