الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
استكشاف "البعد الوجودي "، وتحليل "جماليات التفكيك والحداثة"


قصيدة "تأويل الممات" لشاعرها عبد المنعم حمندي

(استكشاف "البعد الوجودي "، وتحليل "جماليات التفكيك والحداثة" )

مصطفى حسن

 

​ترتكز الرؤية النقدية في قصيدة " تأويل الممات "على فهم النص بوصفه "بنية دلالية كليّة" يتشابك فيها الذاتي بالجمعي، وتتحول فيها التيمة المركزية (الموت/الوجود) من مجرد حدث فسيولوجي إلى "موقف معرفي وجمالي".

 

​المقطع الأول:

أَيُّهَا الغَيْثُ.. تَحَسَّسْ / شِدَّةَ العَصْفِ بِتِلْكَ الشَّجَرَهْ

وَبِأَيٍّ كَانَ يَرْمِي بَصَرَهْ ؟

أرَأَيْتَ.. ؟ / مَا أَرَاهُ لَمْ تَرَهُ

كَيفَ تَنْسَى شَكْلَك المَعْهُودَ / فِي عَيْنِ الضَّرِيرْ

جفَتَعَلَّمْ لُعْبَةَ الرَّأْدِ ارْتِفَاعاً / بِانْشِطَارِ الشَّمْسِ، / حَتْماً فِي ضُحَاهَا تَسْتَدِيرْ

​ يُسند الشاعر إلى "الغيث" أفعال الإدراك ("تحسّس"، "أرأيت")، لكنه سرعان ما يخرق هذا الخطاب التناظري ليؤسس  "الفجوة الرؤيوية" (مَا أَرَاهُ لَمْ تَرَهُ). الشاعر هنا يتسامى بوعيه الاستبصاري على الطبيعة الصامتة، فالطبيعة ترى المظاهر (العصف والشجرة)، بينما يرى الشاعر الجوهر والعدم المتخفي خلفها.

 يطرح المقطع أطروحة حداثية حول الإبصار؛ فـ "الضرير" يمتلك رؤية داخلية مجردة تتجاوز المادي، وهي عين الشاعر نفسها. إن نسج الصورة المعرفية للغيث في عين الضرير يمثل انزياحاً سورريالياً يعيد رسم الحقيقة عبر الغياب لا الحضور.

ثم يرسم رمزية "الرأد" (بداية الإشراق) الممزوجة بانشطار الشمس هي تمثيل لولادة جديدة من رحم التفكك. الموت/العصف ليس نهاية، بل حركة دائرية وجودية حتمية.

ان التفاعل بين المتضادات (البصر/الضرير، الانشطار/الاستدارة). هو بناء الموقف التشكيكي المستند إلى جمل استفهامية متقطعة تخلق إيقاعاً قلقاً يُعبر عن أزمة الذات الشاعرة الحديثة.

​المقطع الثاني:

نَخْلَتِي عَطْشَى تَمُوتُ / قَدْ بَكَاهَا العُشْبُ فِي بَيْتِ العَنْكَبُوتْ

وَرَثَاهَا ذَلِكَ الجِذْرُ العَتِيدْ

هَا أَنَا أُولَدُ مِنِّي.. / وَاحْتِرَاقِي فِي القَصِيدْ

كَمْ تَمَنَّيْتُ..؟ / فَخَابَتْ أُمْنِيَاتِي

أَسْتَرِدُّ الآنَ نَبْضِي فِي الوَرِيدْ / وَلَهِيبِي / يُشْعِلُ القَلْبَ المُعَنَّى / لِتَصِيرَ الشَّمْسُ عُنْوَانِي البَعِيدْ

​

الرمز الهوياتي والمأساة الجمعية: "النخلة العطشى" لدى حمندي هي انزياح عن رمزيّة العطاء العراقي الأصيل إلى رمزية الجفاف السياسي والوجودي للمكان. العشب وبكاؤه في "بيت العنكبوت" يُجسّد حالة الهوان والهشاشة التي ألمّت بالواقع الجمعي.

هذه اللحظات النصية بوصفها "انكسار الهزيمة وتسامي الذات". الشاعر حين يفشل في تحقيق أمنياته الواقعية (فَخَابَتْ أُمْنِيَاتِي)، ينكفئ على الذات ليخلق مجرّته الخاصة: (هَا أَنَا أُولَدُ مِنِّي). كفعل وجود وتطهير: النص الشعري ليس ترفاً، بل هو المحرقة التي تتطهر فيها الذات لتتجاوز الموت اليومي نحو خلود رمزية الشمس.

فرثاء الجذر للنخلة وبكاء العشب في بيت العنكبوت صور تتجاوز التشخيص التقليدي لتصل إلى "السريالية الحزينة" و خرق خط الزمان والمكان من خلال إعادة تخليق الذات من داخل الذات (أولد مني).

​المقطع الثالث:

كُلُّ ثَقْبٍ فِي الفَضَاءِ الرَّحْبِ.. بَيْتِي

كُلُّ صَمْتٍ فِي مَدَارِ النَّجْمِ.. صَوْتِي

وَأَنَا الآنَ حَجَرْ

​ يتلاشى الشاعر في أبعاد الكون؛ الثقب الفضائي يتأنسن ليصبح "بيتاً"، والصمت يتحول إلى "صوت".  هذا التوزع الذاتي إلى مفهوم "التماهي الكوني للشاعر الحديث" الذي يرفض الاستقرار في هامش جغرافي ضيق، بل يعلن ملكيته للعدم والامتداد. هو تكثيف العدم في الحجر: الجملة الصادمة "وَأَنَا الآنَ حَجَرْ " تمثل قمة التجريد الوجودي. الذات تتحول من الهشاشة العاطفية إلى الجمود الثابت المتمثل في الصلابة والصمت، وهو تمهيد لمواجهة سيرورة الموت.

​ (كل ثقب... بيتي / كل صمت... صوتي) يخلق نغماً متوازناً مشحوناً بالتوتر الفلسفي.ويمثل ذروة التكثيف الشعري  واختزال الموقف الوجودي في سطر خاطف شديد التأثير.

​المقطع الرابع:

أَفْتَحُ الفَجْرَ نَهَاراً لِلرِّيَاحِ / لَا أُبَالِي أَنْ شَرِبْتُ المَاءَ مِلْحاً أَوْ قَرَاحْ

أَوْ أَتَانِي المَوْتُ فِي هَيْئَةِ دَرْوِيشٍ / سَيَأْتِي / وَبِأَيِّ الشَّكْلِ يَأْتِي

سَوْفَ يُذْكِي نَارَ صَمْتِي / كَيْ أُوَارِي الخَوْفَ فِي نَايٍ وَرَاحْ

فَصَبَاحِي لَمْ يَعُدْ ذَاكَ الصَّبَاحْ

هَلْ أَخَافُ المَوْتَ ؟ / : كَلَّا / قَبْلَ أَنْ يَأْتِي أَرَاهُ

وَإِذَا مَا الدَّيْكُ صَاحْ / اسْتَرَاحَ وَأَرَاحْ

​في هذا المقطع يتجلى حمندي بتكسير أسطورة الموت التراجيدي، وأرى في هذا المقطع "تحوّلاً بنيوياً في النظرة إلى الآخر المجهول (الموت)". الموت لم يعد المنسلخ المرعب، بل هو "درويش" عابر، صوفي، يجلب السكينة ويكشف أسرار الصمت. والشاعر ينفي الخوف بـ كَلَّا جازمة؛ لأنه يمتلك رؤية مسبقة للموت (قَبْلَ أَنْ يَأْتِي أَرَاهُ). لقد أبطأ الشاعر مفعول الصدمة عبر معرفته المبكرة بها. في "صياح الديك" الموروث شعبياً ودينياً كإعلان لبداية الفجر، يغدو هنا إعلان النظافة الأخيرة والاستراحة الابدية من عناء التجربة الإنسانية.

لقد نزع القيمة المأساوية عن الموت  بأنسنة الموت في صورة درويش تُضفي عليه طابعاً أليفاً وشاعرياً.

وبالاعتماد على الحوار الذاتي والسؤال والجواب القصير (هل أخاف الموت؟ : كلا) لكسر المونولوج التقليدي.

​المقطع الخامس:

شَاعِرٌ مَاتَ وَحِيداً لَيْسَ فِي المَعْنَى سِوَاهْ

كَانَ حُلْماً وَطِبَاعاً لَمْ تُغَيِّرْ مِنْ رُؤَاهْ

يَتَنَامَى القَهْرُ فِيهِ / كَيْفَ يَنْمُو العُشْبُ مِنْ غَيْرِ مِيَاهْ ؟

بَيْنَمَا النَّخْلُ مَشَى دُونَ أَنْ يُطْوَى مَدَاهْ

​الاغتراب المعنوي والأخلاقي: يُسجل هنا مفهوم "البطل التراجيدي الحداثي". الموت الحقيقي للشاعر ليس خروج الروح، بل هو وجوده وحيداً في "عالم المعنى" حيث انعدام الفهم والتواصل مع الآخرين.

حيث مفارقة العشب والنخل ، واستمرار  القهر بالنماء العجائبي (كما ينمو العشب بلا ماء)، في حين يسير "النخل" في امتداد لا ينتهي. ترمز هذه التضادّية إلى استمرارية المأساة التاريخية والإنسانية رغم انعدام مقومات الحياة.

​يتحدث الشاعر عن نفسه بصيغة الغائب (شَاعِرٌ مَاتَ وَحِيداً)، مما يمنح النص مسافة نقدية تجريدية بين الشاعر وذاته الميتة.، بعد تكسير المنطق الطبيعي في نمو العشب بلا ماء ،واستعارة حداثية لمواصلة الحياة تحت وطأة القهر والظروف المستحيلة.

​المقطع السادس:

لَا تَسَلْنِي عَنْ مَآلِي... / كَانَ سِرًّا.

فَسَّرَ المَاءَ رَحِيقاً / فِي شَرَابٍ صَارَ مُرًّا

أَنَا مَنْ يَبْنِي عُرُوشَ الشُّعَرَاءِ / وَيُغَنِّي فِي بُيُوتِ الفُقَرَاءِ

وَرُؤَاهُ فِي المَجَرَّاتِ سَمَاءْ

​ يستدعي الشاعر القول المأثور (فسّر الماء بعد الماء بالماء) ليُحرّفه حداثياً: فَسَّرَ المَاءَ رَحِيقاً / فِي شَرَابٍ صَارَ مُرًّا. النية الطيبة والرؤية الفلسفية التبسيطية تُصدم بالواقع المرير.،و تظهر هنا بوضوح مرجعيات الشعر المعاصر المنتصرة للفقراء والشارع. الشاعر ليس مجرد صانع للمجردات، بل هو "بانٍ لعروش الشعراء" و"مغنٍ في بيوت الفقراء"، يربط الأرضي/الطبقي بالكوني/المجرات. فأجاد الشاعر بإعادة إنتاج الموروث البلاغي والأمثال بلغة جديدة مشحونة بالعدمية والإنكار.والمفارقة بين الفقر الأرضي والتسامي الفضائي .

​المقطع السابع:

أَوْرَقَتْ فِيَّ الجُرُوحْ / فَامْسَحِي يَا رِيحُ آثَارَ خُطَايْ..

إِنَّنِي الآنَ.. / بِدَايَاتُ النِّهَايْهْ

إِنَّنِي الحَرْفُ الَّذِي.. / لَا تَحْتَوِيهِ أيُّ آيَهْ..

المرافيء الأخيرة وتفكيك الأصول:

أرى في جملة "  إنني الحرف الذي لا تحتويه أي آيه "

ذروة التمرد الحداثي والتفكيكي". الشاعر يعلن عصيانه على التأطير والنصية المكتملة أو المفاهيم الثابتة. إنه "حرف" سائب ومتمرد على الدغمائية والسياقات المنجزة.و طلب محو الآثار بوساطة الريح هو رغبة حقيقية في العدم الخلاق؛ عدم وجود أثر يعني التحول إلى مطلق غير قابل للحصر.

'  أورقت فيّ الجروح"  استعارة مقلوبة؛ فالجرح لا ينزف فقط بل يزهر، مما يجعل الألم مصدراً للخصوبة الشعرية.

لتأكيد هدم البنى التأويلية التقليدية.

​المقطع الثامن والتاسع:

أَرْسُمُ الأَبْعَادَ فِي لَيْلِ البِلَادْ.. / لَابِساً وَجْهَ صَدِيقِي السِّنْدَبَادْ..

.....

كُلُّ غُصْنٍ فِي دَمِي.. / يَقْرَأُ طَقْسَ الِانْتِمَاءِ

لَمْ أَزَلْ أَكْتُبُ مِنْ حِبْرِ السَّماءِ

أَنَا جُرْحُ الوَقْتِ.. / أَلْهُو بِفُقَاعَاتِ السَّأَمْ

أَكْسِرُ المَعْنَى.. / وَأَمْحُو مَا فَقَدْتُ مِنْ قِيَمْ

يَا دَمِي السَّائِلَ فِي حِبْرِ القَلَمْ / خُذْ غُبَارَ الكَلِمَاتْ..

وَاغْسِلِ الوَهْمَ فَمَسْرَاكَ العَدَمْ

نَحْنُ لَسْنَا طَبَقَاتْ. / نَحْنُ تَأوِيلُ المَمَاتْ

وَارْتِطَامُ النُّورِ فِي بَحْرِ الظُّلُمَاتْ

​

 يلجأ الشاعر لقناع "السندباد" ليعبر عن حركيته وتشرده وفقدانه المرفأ الهادئ. السندباد هنا ليس مغامراً أسطورياً بل ملتحف بـ "ليل البلاد"، يمثل ضياع المثقف العربي في ويلات وطنه.

ليمارس الشاعر فعل التفكيك بوضوح حاد: أَكْسِرُ المَعْنَى.. وَأَمْحُو مَا فَقَدْتُ مِنْ قِيَمْ. إنه كسر للبنى الجمالية القائمة واعتراف بانتهاء الجدوى من القيم التقليدية التي أثبت الواقع زيفها.

في السطرين المركزيين للقصيدة (نَحْنُ لَسْنَا طَبَقَاتْ. / نَحْنُ تَأوِيلُ المَمَاتْ)، يرفض حمندي الاختزال المادي الاجتماعي للبشر (الطبقات)، ليرفع الإنسان إلى مرتبة "المأساة الكونية"؛ فالوجود الإنساني هو تجسيد لحظة ارتطام الضوء بالظلام.

​الصورة الدهشية: أنا جرح الوقتِ.. ألهو بفقاعات السأم ،  صورة سريالية تجعل من الزمن جسداً مجروحاً ومن السأم فقاعات هشة يلهو بها هذا الجرح.

تماهٍ بين المادة الشاعرية والجسد: الدم يتحد بالحبر (دمي السائل في حبر القلم) في عملية انصهار تامة بين أداة الكتابة والوجود الفسيولوجي.

​المقطع العاشر والأخير:

سَوْفَ أَمْضِي.. / تَارِكاً لِلرِّيحِ أَنْ تَقْرَأَ وَجْهِي وَرُؤَايْ

تَارِكاً لِلرَّمْلِ.. / أَنْ يَكْتُبَ تَارِيخَ احْتِرَاقِي وَخُطَايْ

لَمْ أَذَرْ خَلْفِيَ بَاباً / وَسَأَبْقَى أَعْزِفُ النَّايْ / وَأَمْضِي فِي هَوَايْ

 ينتهي النص بشرط وجودي ،  الشاعر لا يترك خلفه مؤلفات مغلقة ولا "أبواباً"، بل يترك أثره للريح وللرمل. الريح تقرأ الرؤى والرمل يكتب التوثيق، وكأنه يثق بالطبيعة الكونية أكثر من ثقته بالتاريخ الإنساني المكتوب. فهو يختار (الفن كخلاص أخير) العزف على "الناي" أثناء المضي نحو العدم هو أسمى درجات التسامي والتصالح مع القدر المأساوي.

​لقد فتح نهاية القصيدة على الرمل والريح والناي، مع حظر الغلق التقليدي و الاعتماد على الروابط اللينة والياء الممدودة في القافية (رؤاي، خطاي، الناي، هواي) لإعطاء انطباع بالانسياب الهادئ للذات نحو اللانهائي.

​وفق المحصلة النقدية المعمقة ، تتلخص شاعرية النص وحداثته في المرتكزات التالية:

1- القصيدة بوصفها بنية رؤيوية لا تقريرية: لم تعتمد القصيدة على رثاء الذات المباشر، بل على "تأويل" الموت عبر افتراضات فلسفية ورموز سريالية (الضرير، الدرويش، السندباد، انشطار الشمس).

2- شعرية التفكيك والخلخلة: يتعمد حمندي كسْرَ المفاهيم الجاهزة؛ فالمعنى يُكسَر، والماء يصير مرّاً، والجروح تورق، والموت يتجسد درويشاً مُريحاً، مما يخلق "صدمة حداثية" للذوق التقليدي.

3- تأسيس قناع الشاعر الحديث (Poetic Persona): تراوحت الذات الشاعرة بين الصمود والانتشار الكوني والتطهر بالحرائق. فالشاعر ليس مجرد فرد يموت، بل هو "حرف لا تحتويه آية"، ومُعبّر عن هموم الفقراء والوجود الإنساني بأكمله.

4- جماليات اللغة والموسيقى الداخلية: تحققت الحداثة الموسيقية عبر التطوير الحر لتفعيلات بحر الرمل في شعر التفعيلة، وتوظيف القوافي الداخلية، والتلاعب بين الصمت والصوت، والامتلاء بالعدم، مما جعل القصيدة معزوفة فلسفية متكاملة.


مشاهدات 48
الكاتب مصطفى حسن
أضيف 2026/10/18 - 2:26 PM
آخر تحديث 2026/10/19 - 1:13 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 107 الشهر 35673 الكلي 16620842
الوقت الآن
الإثنين 2026/10/19 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير