الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
بين الشراكة والتفكيك.. العراق في إختبار الإستراتيجية الأمريكية الجديدة

بواسطة azzaman

بين الشراكة والتفكيك.. العراق في إختبار الإستراتيجية الأمريكية الجديدة

 

علاء الطائي

 

معايير الصارمة

في خضم تحولات العام 2026 لم تعد السياسة الأمريكية تجاه العراق مجرد مسألة تعديل في الأولويات بل تحولت إلى اختبار وجودي يُعاد فيه تعريف مفهوم «الاستقرار» نفسه فالإدارة الأمريكية الجديدة التي تخلت

عن خطاب «نشر الديمقراطية» لصالح «حصاد المصالح» لم تكتفِ بذلك بل مضت إلى أبعد من ذلك.. البراغماتية لديها الآن «شروطها القاسية» لم يعد العراق يُمنح هامشاً للمناورة بناءً على شعارات السيادة أو التوازنات الداخلية بل أصبح مطلوباً منه

أن يُثبت عملياً قدرته على إعادة هيكلة معادلته الأمنية والإقليمية وفق رؤية واشنطن وأيّ فشل في هذا الاختبار في ظل اشتعال أزمة مضيق هرمز لا يعني مجرد تدهور العلاقة بل يعني تحويل العراق من «شريك استراتيجي» إلى «حالة تتطلب معالجة» – وهو ما يُترجم عملياً إلى تهديدات صريحة بتطبيق سيناريوهات تفكيك مشابهة لما جرى في أفغانستان أو سوريا.

أولاً– أزمة هرمز – مرآة العراق في معادلة القوة تُمثل أزمة مضيق هرمز في سياقها الراهن الاختبار الأكثر وضوحاً لمدى استجابة العراق للمتغير الأمريكي بالنسبة لواشنطن «حرية الملاحة وأمن الطاقة» ليسا مجرد ثوابت بل هما خط أحمر استراتيجي يعلو فوق أي اعتبار للشراكة الثنائية عندما تتصاعد الأزمة في الخليج تتحول الأولويات الأمريكية من التعاون إلى الضغط ومن الحوار إلى التكليف هنا يكمن المطلب الأمريكي المتجدد عبر قناة «الزيدي» ليس عرضاً سياسياً للتعاون بل تكليف عملياتي بإعادة تشكيل الخريطة الأمنية العراقية بدءاً من تفكيك الفصائل المسلحة وصولاً إلى فصل الملف العراقي عن الملف الإيراني.

عقاب وقائي

في هذا السياق تُقرأ «الضربة السعودية للعراق» – التي قد تكون اقتصادية أو سياسية – كجزء من سياسة «العقاب الوقائي» التي تُمارسها دول الخليج وهي رسالة واضحة بأن «الحضن العربي» ليس مشروعاً عاطفياً بل صفقة مشروطة تتطلب من بغداد تقديم تنازلات أمنية وسياسية جسيمة تبدأ بتقييد النفوذ الإيراني عملياً لا شكلياً.

ثانياً– «لاءات» الإطار التنسيقي – من استراتيجية إلى فخ هيكلي

يُعبر موقف الإطار التنسيقي الرافض لتفكيك الفصائل والمُصرّ على «اللاءات» تجاه المطالب الأمريكية عن قراءة سياسية عميقة لكنها تفتقر إلى المرونة الاستراتيجية هذا الموقف لا يعكس قوة بل يوقع العراق في فخ «المعادلة الصفرية» إما الرضوخ لأمريكا وخسارة ورقة إيران.. أو التمسك بإيران وخسارة الحضن العربي ومواجهة العزلة.

القراءة المفاهيمية هنا تقول إن السيادة الحقيقية لا تكمن في «الرفض» الجامد بل في «إدارة التوازن» النخبة العراقية باصرارها على موقف الرفض دون بديل عملي تُحوّل العراق من دولة تمارس سيادتها إلى أداة جامدة في يد أطراف الصراع.. وهذا بالضبط ما يستغله الطرف الأمريكي ليُعيد تعريف العراق باعتباره «مشكلة» لا يمكن حلها إلا عبر التفكيك الهيكلي تماماً كما حدث في سوريا وأفغانستان.

ثالثاً– رهان «الحضن العربي» – بين الضرورة والمخاطر

الدعوة إلى «الذهاب للحضن العربي» ليست خياراً استراتيجياً بحد ذاتها بل هي استجابة عاطفية وسياسية لضغط واقعي. لكن الوقوع في فخ اشتراط «العزلة الأمنية والعسكرية عن إيران» كشرط مسبق للانفتاح العربي هو بمثابة انتحار جيوسياسي.. فالقوة المفاهيمية للعراق تكمن في كونه «جسراً إقليمياً» لا «ساحة مواجهة». نجاحه لا يكون بقطع علاقاته مع طهران بل بتحويل هذه العلاقة من «تبعية» إلى «علاقة قابلة للضبط» وبالتزامن بناء شراكة عربية تقوم على المصالح الاقتصادية والاستثمارية لا على الولاءات الأمنية.

الزيارة الأمريكية للسيد «الزيدي» رغم ما أثارته من توجس إيراني وترقب لنتائجها  لم تكن مسرحاً لضغوط إيرانية على العراق بل كانت قناة لنقل تحذير أمريكي مباشر عبر الزيدي بشأن ضرورة سحب ايران يدها من الفصائل المسلحة.

سياسة الحياد

هذا التوجس الإيراني نفسه لم يكن بمعزل عن قراءة عميقة لخطورة التهديد الأمريكي مما جعل طهران تنتظر مخرجات الزيارة لا تمليها وتستمع لما يُنقل إليها لا لما تفرضه.

لكن العراق بدلاً من أن يكون أسيراً لهذا التوجس عليه أن يتبنى سياسة «التوازن الإقليمي النشط» وهي سياسة تعترف بأن «الحياد» خيار مستحيل في بحر التحالفات المتصلبة لكنها تستبدله بـ «إعادة تموضع الدولة كمعادلة تفاوضية» أي أن يقدم العراق.

للعرب– ما يحتاجونه «طاقة- عبور- استقرار» ضمن عقد استراتيجي واضح لا كهدية عابرة.

للأمريكيين– شراكة اقتصادية وأمنية تستـــــــــــــــــثمر الموقع الجيوستراتيجي للعراق وتجعل منه بوابة استقرار لا ساحة صراع.

لإيران– اســـــــــــتمرار التعاون الاقتصادي والجوار الحسن لكن ضمن إطار الدولة وسيادتها لا ضمن ممرات الولاء أو النفوذ غير المنضبط.

هذا هو «البراغماتي» الحقيقي الذي لا يبحث عن حياد مستحيل بل يصنع من تناقضات المنطقة ورقة مساومة تُخرجه من حصار العواصف وتُعيد تعريف مصالحه ضمن معادلات القوة الجديدة فالعراق لن يكون حيادياً لكنه يمكن أن يكون «فاعلاً مستقلاً» يدير تناقضاته بذكاء بدلاً من أن يديرها خصومه.

رابعاً– «سيناريو أفغنة» العراق – الإنذار الذي يُساء فهمه

التهديد الأمريكي بـ «التعامل مع العراق كما تعامل مع سوريا أو أفغانستان» ليس تهديداً عسكرياً بالغزو بل هو تحذير من تحول جوهري في منهجية التعامل. السيناريو الأفغاني مما يعني.

  · تفكيك المؤسسة العسكرية المركزية وتحويلها إلى جيش هش غير قادر على الردع.

  · تسييل الاقتصاد عبر تجفيف الاستثمارات والتحكم في عائدات النفط عبر عقوبات بديلة.

  · سياسة «الأطراف» حيث تتعامل واشنطن مباشرة مع الفصائل والأحزاب متجاوزة الحكومة المركزية مما يخلق حالة من الفوضى المُدارة.

في هذا السيناريو تحقق أمريكا هدفها «إبعاد العراق عن إيران وتقويض قدرته الإقليمية» دون أن ترفع راية حرب مستخدمةً أدوات اقتصادية وأمنية بديلة. هذا هو وجه الاستراتيجية الجديدة الأشد خطورة..

 «الانتقال من القصف المباشر إلى التفكيك الهيكلي».

محصلة حتمية

العراق اليوم يقف عند مفترق طرق مصيري.. الفجوة ليست في ما تطلبه أمريكا بل في غياب «رؤية وطنية» قادرة على تحويل هذه المطالب إلى فرص بدلاً من أن تكون تهديدات.. لم يعد ممكناً المناورة عبر «الرفض» أو «الرضوخ» الحل يكمن في بناء مشروع عراقي يقوم على مظلة الاجهزة الامنية

1. المصالحة الاقتصادية الوطنية– جعل الإصلاح المالي قضية أمن قومي تسبق الخلافات السياسية.

2. إعادة هيكلة القوة الأمنية – من «الأذرع الخارجية» إلى «الوحدات الدستورية»

ليس المطلوب تفكيك الفصائل عسكرياً بل «دسترة» وجودها عبر إدماجها تحت مظلة الأجهزة الأمنية القائمة أو تأسيس جهاز أمني جديد يُشرف عليه القائد العام للقوات المسلحة الهدف  ليس تصفية هذه الكيانات بل تحويلها من أذرع موالية للخارج إلى وحدات وطنية تخضع لسيادة الدولة ورقابة البرلمان وتمويلها من الميزانية العامة..بهذا الإجراء تُحقق الدولة سيطرة كاملة على السلاح ويُختصر الطريق على أي تدخل إقليمي وتُحفظ كرامة الفصائل كجزء من النسيج الوطني لا دويلات موازية.

3. دبلوماسية «التوازن الإيجابي» تقديم مبادرات للربط الاقتصادي مع الخليج «أنابيب سكك» ترفع القيمة الجيوستراتيجية للعراق وتعطي واشنطن ما تريد «استقرار الطاقة» دون أن تقطع علاقات بغداد مع طهران.

النجاح في هذا المسار ليس خياراً بل ضرورة بقاء.. فإذا فشلت النخبة الحاكمة في تجاوز ثقافة «المحاصصة» إلى ثقافة «المسؤولية التاريخية» فإن السيناريو الأفغاني لن يكون مجرد تحذير بل مصيراً محتماً وستكون «ساعة الصفر» قد دقت فعلاً.


مشاهدات 41
الكاتب علاء الطائي
أضيف 2026/08/22 - 12:15 AM
آخر تحديث 2026/08/22 - 1:09 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 92 الشهر 25889 الكلي 16115593
الوقت الآن
السبت 2026/8/22 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير