فم مفتوح .. فم مغلق
تكرار ضيوف التلفزيون أصبح معضلة
زيد الحلي
عجيب أمر فضائياتنا، فما إن تزف الساعة الثامنة حتى الحادية عشرة مساء، حتى تتحول الشاشات إلى ساحة صراخ جماعي ، يتبارى فيها، عشرة إلى أربعة عشر «ضيفاً» في الاستوديو أو عبر «سكايب»، يتنافرون ويتحدثون في كل شيء، من السياسة ، الى الأمن وإلى الاقتصاد، ولا يتفقون إلا على هندام أنيق وصوت عال.
نحن أمام ظاهرة عراقية بامتياز، أكثر من ثلاثين فضائية، كلها تريد أن تثبت أنها الأكثر حضوراً في وقت الذروة ، لكن كيف يمكن لأي عقل أن يستوعب نحو أربعة عشر رأياً متصارعاً في غضون فترة المساء ؟ النتيجة ليست حواراً، بل ضجيجاً ، في برامج متشابهة في المضمون ، لكنها مختلفة في العناوين، لا يسمع المشاهد من خلالها فكرة كاملة، ولا يخرج بخلاصة، بل يخرج بصداع وملل.
الأخطر من الملل هو التكرار . وجوه محفوظة عن ظهر قلب، وأسماء أصبحت ضيوفاً «دائمين»، ينتقلون من قناة إلى أخرى ، كأنهم موظفون في الفضائيات كلها، يتحدثون بنفس المفردات، ونفس الاتهامات، ونفس التبريرات، حتى لو اختلفت القناة، واختلف المقدم واختلف العنوان. إنهم «فرسان الظهور اليومي» الذين لا يغيبون أبداً.
ولعل الدليل الأكثر إضحاكاً وإيلاماً في آن واحد هو ما لاحظه الجمهور، أن أحد هؤلاء الفرسان ظهر مؤخرا في ثلاثة برامج مختلفة، على قنوات متباعدة في الرؤى السياسية، وفي نفس التوقيت، وتحت عبارة «بث مباشر» ، كيف يمكن لشخص أن يكون في ثلاثة أماكن في آن واحد؟ الجواب الوحيد هو أن الكثير من هذه البرامج مسجلة مسبقاً، وتبث على أنها حية، في خداع مكشوف لذكاء المشاهد.
إن المشكلة ليست في «الضيوف» وحدهم، بل في نهج القنوات ذاتها ، فالقناة التي تخاف من الجديد تفضل المجرب، والمذيع الذي يخاف من المفاجأة يفضل من يحفظ الأسئلة والأجوبة، والمالك الذي يريد رسالة سياسية واضحة يفضل من يرددها دون نقاش، هكذا تحولت البرامج الحوارية من منبر للرأي إلى مسرح معاد، لا يتغير فيه سوى الديكور.
والسؤال: هل العراق خال من العقول؟ أبداً ، ففي فضائنا الأكاديمي والثقافي والاقتصادي مئات الشخصيات الجادة، أساتذة جامعات، باحثون، صحفيون، اقتصاديون، كتاب، شباب يمتلكون رؤية جديدة، هؤلاء لا يظهرون لأنهم لا يصرخون، ولا ينتمون لجهة سياسية ، ولا يملكون من يدفع بهم، والنتيجة أن المشاهد العراقي يرى نفس الوجوه تتكلم عن الاقتصاد وهي لا تعرف الفرق بين العجز والفائض، وعن القانون وهي لم تقرأ الدستور، وعن الثقافة وهي بعيدة عنها.
ارجوكم، أيها الإخوة والزملاء في فضائياتنا العزيزة، غيروا من نهجكم، وقللوا عدد الضيوف، وقللوا تكرار الأسماء، وافتحوا الأبواب لوجوه جديدة، واعطوا فرصة لمن يملك فكرة، لا لمن يملك صوتاً عالياً، واخلقوا منافسة حقيقية على المحتوى، لا على عدد الضيوف.
الإعلام ليس بالصوت العالي والشتائم ، بل بصناعة للوعي. وعندما يملّ المشاهد، فإنه لا يغلق التلفزيون فقط ، بل يغلق عقله عنكم... انفتحوا على العراق الواسع، وستجدون أن التغيير لا يكلفكم شيئاً، سوى شجاعة أن تتركوا المكرر وتجربوا الجديد.. ومن الله التوفيق
Z_alhilly@yahoo.com