الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
صرخة رفات

← بواسطة azzaman

صرخة رفات 

جبار فريح شريده

...

بين عامي 1980 و1988، شهد العراق حربًا طويلة ومريرة خلّفت آلاف الضحايا والمفقودين. سقط رجال وشباب في ساحات القتال، وعاد كثيرون إلى عوائلهم، بينما بقي آخرون هناك... في أرض المعركة، تحت التراب، ينتظرون من يبحث عن أثرهم، ومن يعيد أسماءهم إلى أهلهم، ورفاتهم إلى أحضان وطنهم.

تمر السنوات، وتتغير الحكومات والأنظمة والوجوه، لكن السؤال يبقى حاضرًا:

أين رفات شهدائنا؟

إن بقاء شهيد عراقي مجهول المصير لعقود ليس مجرد ملف إداري مؤجل، ولا قضية أرقام في سجلات الدولة. إنه جرح مفتوح في قلب عائلة لا تعرف أين دُفن ابنها، وأم رحلت وهي تنتظر، وأب حمل صورة ولده طوال حياته، وزوجة بقيت معلقة بين الأمل واليأس، وأبناء كبروا وهم لا يملكون قبرًا يزورونه ويقرأون الفاتحة عنده.

لقد مر العراق بمراحل سياسية وحكومات متعاقبة، قبل عام 2003 وبعده، ومع ذلك ظل ملف المفقودين والشهداء الذين ما زالت رفاتهم في ساحات القتال بحاجة إلى اهتمام أكبر، وإلى عمل مؤسسي جاد ومستمر يبحث عنهم، ويحدد مواقع دفنهم، ويجري عمليات التحقق من الهويات، ثم يعيدهم إلى عوائلهم بما يليق بتضحياتهم.

أليس من حق الشهيد أن يعود إلى وطنه؟

وأليس من حق عائلته أن تعرف أين يرقد ابنها؟

إن الدولة التي تكرّم شهداءها لا تكتفي بإقامة النصب والاحتفالات وإطلاق العبارات في المناسبات الوطنية؛ بل تثبت وفاءها عندما تبحث عن مفقودها، وتطرق أبواب المجهول، وتفتش في الأرض التي ابتلعت أبناءها، حتى تعيد كل رفات إلى أهلها.

نحن لا نتحدث عن الماضي من أجل فتح الجراح، بل من أجل إغلاقها بكرامة.

ولا نتحدث عن الشهداء باعتبارهم أرقامًا في سجل تاريخي، بل باعتبارهم أبناءً وآباءً وإخوةً وأزواجًا، لهم عوائل ما زالت تنتظر جوابًا واضحًا بعد كل هذه السنوات.

إن تشكيل لجان وطنية متخصصة، مدعومة بالإمكانات الفنية والعلمية، وتوثيق أسماء المفقودين ومواقع المعارك، والاستفادة من تقنيات البحث الحديثة وفحوصات الحمض النووي، والتعاون مع الجهات المعنية داخل العراق وخارجه، يمكن أن يشكل خطوة حقيقية لإنهاء هذا الملف الإنساني.

صرخة الرفات ليست صرخة الموتى وحدهم... إنها صرخة الأحياء أيضًا.

صرخة أم تريد قبرًا لابنها.

وصرخة أب يريد أن يعرف أين انتهت رحلة ولده.

وصرخة عائلة تريد أن تقول:

هذا شهيدنا... وهذا قبره.

فهل يعقل أن يمضي أكثر من أربعة عقود وما زالت عوائل عراقية تنتظر عودة رفات أبنائها؟

إن الوفاء للشهيد لا يكون بالكلمات وحدها، وإنما بالفعل.

فليكن هناك مشروع وطني واضح ومعلن للبحث عن رفات شهداء حرب 1980–1988، وليكن لكل مفقود ملف، ولكل عائلة جواب، ولكل شهيد قبر يحمل اسمه.

لقد أعطى هؤلاء الرجال أعمارهم للعراق، وأقل ما يستحقونه أن يعيد العراق إليهم أسماءهم ورفاتهم وكرامتهم.

فيا من بقيتم في أرض المعركة... لم ننساكم.

ويا عوائل الشهداء... إن انتظاركم ليس قضية منسية.

ويا مؤسسات الدولة... آن الأوان أن تكون هناك صرخة وطنية حقيقية:

أعيدوا رفات شهدائنا إلى أهلهم.


مشاهدات 56
الكاتب جبار فريح شريده
أضيف 2026/10/03 - 4:04 AM
آخر تحديث 2026/10/03 - 5:21 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 418 الشهر 3654 الكلي 16588823
الوقت الآن
السبت 2026/10/3 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير