الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
شخصيات من بلادي .. محمد غني حكمت

← بواسطة azzaman

شخصيات من بلادي .. محمد غني حكمت

نحّات يمنح بغداد أعمالاً تصبح جزءاً من ذاكرتها

صالح رضا

 

يُعد النحات العراقي الكبير محمد غني حكمت واحداً من أبرز الأسماء التي تركت أثراً عميقاً في تاريخ الفن التشكيلي العراقي الحديث، فقد استطاع أن يجعل من النحت لغة بصرية تستمد قوتها من ذاكرة العراق وحضارته وتراثه الشعبي، وأن يمنح بغداد أعمالاً أصبحت جزءاً من ذاكرتها ومشهدها الثقافي. ولد محمد غني حكمت في بغداد عام 1929، ودرس النحت في معهد الفنون الجميلة ببغداد، ثم واصل دراسته الفنية في إيطاليا، حيث تخصص في النحت والميداليات وتقنيات صب البرونز. وعندما عاد إلى العراق حمل معه خبرة أكاديمية وفنية أسهمت في تطوير فن النحت العراقي، وأصبح واحداً من أبرز أساتذته ورواده.

ارتبط اسمه بالحركة التشكيلية العراقية الحديثة، وكان من الفنانين الذين جعلوا من التراث العراقي مصدراً مهماً في تجربتهم الفنية. فقد استلهم الحضارة الرافدينية والأساطير والحكايات الشعبية وروح بغداد، وحوّلها إلى أعمال معاصرة تجمع بين أصالة الماضي ورؤية الفنان الحديث.

ومن أشهر أعماله في بغداد تمثال كهرمانة والأربعين حرامياً، وشهريار وشهرزاد، وتمثال أبي الطيب المتنبي، وتمثال حمورابي، وجدارية مدينة الطب، والفانوس السحري، والبساط الطائر، إلى جانب عدد من الأعمال والنصب التي ارتبطت بذاكرة بغداد وأماكنها.

ومن أعماله المهمة أيضاً «نصب إنقاذ الثقافة»، ذلك العمل الرمزي الذي يصور مسلة مائلة مكسورة، تتلقاها الأيدي والأكف في محاولة لمنعها من السقوط، في إشارة عميقة إلى حماية الثقافة والحضارة العراقية وصون تراثها من الضياع. وقد أصبح هذا العمل واحداً من الأعمال التي تختصر قدرة حكمت على تحويل الفكرة إلى رمز فني يحمل دلالات إنسانية وحضارية.

كما ارتبط اسم محمد غني حكمت بنصب الحرية، أحد أبرز رموز الفن العراقي الحديث، من خلال مشاركته في إنجاز العمل بعد رحيل الفنان جواد سليم، ليواصل مع هذا النصب مسيرة من أهم التجارب الفنية التي شهدتها بغداد في القرن العشرين.

ولم يكن حكمت نحاتاً مبدعاً فحسب، بل كان معلماً ترك أثراً مهماً في أجيال من الفنانين العراقيين. عمل أستاذاً للنحت، ونقل خبرته ومعرفته إلى طلبته، وكان يؤمن بأهمية دراسة الخامة والتقنية إلى جانب الفكرة، فاشتغل على البرونز والخشب والحجر والمرمر والنحاس، وامتلك قدرة واضحة على تطويع المواد لخدمة رؤيته الفنية. لقد كان حكمت قريباً من روح بغداد، ولذلك بقيت أعماله حاضرة في شوارعها وذاكرتها. فحين يرى الإنسان كهرمانة أو شهريار وشهرزاد أو المتنبي أو غيرها من أعماله، فإنه لا يرى شكلاً نحتياً فحسب، بل يرى جانباً من تاريخ المدينة وحكاياتها وتراثها.

رحل حكمت عام 2011، لكنه ترك وراءه إرثاً فنياً كبيراً، وأعمالاً ما زالت شاهدة على تجربة نحات استطاع أن يمنح النحت العراقي هوية خاصة، وأن يجعل من الفن جسراً بين الإنسان العراقي وماضيه وحضارته وذاكرته.

وفي ختام هذه الصفحة، أذكر أستاذي محمد غني حكمت بوفاء ومحبة. فقد كنت أحد طلبته في السنة الأولى من أكاديمية الفنون الجميلة عام 1980، حين درست النحت على يديه. وبعد سنوات طويلة، وجدت أن من الوفاء أن أعود إلى صورته بريشتي، فرسمت بورتريته ضمن مشروع (شخصيات من بلادي)، وفاءً لأستاذ كبير ترك أثراً في نفوس طلبته، وبقي اسمه حاضراً في ذاكرة الفن العراقي.


مشاهدات 46
الكاتب صالح رضا
أضيف 2026/09/30 - 1:34 PM
آخر تحديث 2026/10/01 - 2:21 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 209 الشهر 209 الكلي 16585378
الوقت الآن
الخميس 2026/10/1 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير