الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
مضيق هرمز يكشف هشاشة الإقتصاد

← بواسطة azzaman

مضيق هرمز يكشف هشاشة الإقتصاد

عدنان الدوسري

 

لم يصنع مضيق هرمز هشاشة الاقتصاد العراقي، لكنه كشفها.فحين يستطيع اضطراب ممر بحري واحد ان يضع ايرادات دولة نفطية بحجم العراق تحت ضغط شديد، فإن المشكلة لا تعود مرتبطة بالمضيق وحده، بل ببنية اقتصادية تراكمت اختلالاتها عبر سنوات، حتى اصبحت الموازنة والانفاق العام والاستثمار والاستيراد وسوق العمل شديدة الحساسية لما يحدث للبرميل العراقي بين الحقل والسوق.ولفهم ما حدث في 2026، لا يكفي النظر الى تراجع الصادرات النفطية بعد اضطراب الملاحة، بل ينبغي العودة ست سنوات الى الوراء، لأن ازمة هرمز ليست بداية المشكلة، وإنما اللحظة التي ظهرت فيها نتائج تراكمها.

اسعار النفط

في عام 2020 تلقى العراق انذارا اقتصاديا قاسيا عندما اجتمعت جائحة كورونا مع انهيار اسعار النفط. ووفقا للبنك الدولي، انكمش الاقتصاد العراقي بنحو 9.5 في المئة، كما تراجعت الايرادات الحكومية بنسبة 47.5 في المئة خلال الاشهر الثمانية الاولى من ذلك العام. كانت الرسالة واضحة: عندما يتعرض النفط لصدمة، تنتقل آثارها بسرعة الى المالية العامة والاقتصاد الحقيقي.لكن تعافي اسعار الطاقة في السنوات التالية وفر للعراق موارد مالية كبيرة، وكان يمكن ان يشكل فرصة استثنائية لاعادة بناء النموذج الاقتصادي على اسس اكثر تنوعا واستدامة.وتكشف بيانات صندوق النقد الدولي حجم الاموال التي مرت عبر المالية العامة العراقية خلال هذه الفترة، كما تكشف في الوقت نفسه مدى اعتمادها على النفط.ففي عام 2021 بلغت الايرادات الحكومية ما يعادل نحو 75.8 مليار دولار، منها قرابة 67.2 مليار دولار ايرادات نفطية، اي نحو 89 في المئة من مجموع الايرادات.وفي 2022، مع الارتفاع الكبير في اسعار الطاقة، قفزت الايرادات الحكومية الى ما يعادل نحو 121.1 مليار دولار، منها نحو 116.2 مليار دولار من النفط. وهذا يعني ان النفط وفر قرابة 96 في المئة من ايرادات الدولة في تلك السنة.وفي 2023 بلغت الايرادات الحكومية نحو 108.4 مليارات دولار، منها قرابة 98.6 مليار دولار نفطية، بينما لم تتجاوز الايرادات غير النفطية نحو 9.8 مليارات دولار.

واستمرت الصورة في 2024، إذ بلغت الايرادات الحكومية نحو 108 مليارات دولار، منها قرابة 99 مليار دولار من النفط، في مقابل نحو 9 مليارات دولار فقط من الايرادات غير النفطية.أما تقديرات صندوق النقد لعام 2025، وهي تقديرات وليست حسابات ختامية، فتضع الايرادات الحكومية عند نحو 97.8 مليار دولار، منها قرابة 88.3 مليار دولار نفطية، مقابل نحو 9.5 مليارات دولار من المصادر غير النفطية.هذه الارقام لا تحتاج الى كثير من التفسير. فرغم مرور سنوات على الحديث عن تنويع مصادر الدخل، بقي النفط يوفر قرابة تسعة اعشار الايرادات الحكومية في عدد من السنوات، بل تجاوزت النسبة 95 في المئة في سنة الوفرة النفطية 2022.والمشكلة لم تكن في الاعتماد على النفط وحده، بل في ان هذا الاعتماد تزامن مع ارتفاع كبير في الانفاق الجاري.فبحسب بيانات صندوق النقد، بلغت النفقات الجارية ما يعادل نحو 62.3 مليار دولار في 2021، وارتفعت الى نحو 68.9 مليار دولار في 2022، ثم قفزت الى نحو 91.2 مليار دولار في 2023، قبل ان تصل الى نحو 97.4 مليار دولار في 2024. أما تقديرات 2025 فتضعها عند نحو 102.2 مليار دولار.

ناتج محلي

وبذلك ارتفع الانفاق الجاري بنحو 40 مليار دولار خلال اربع سنوات فقط، بينما بقيت الايرادات غير النفطية عند مستويات لا تتجاوز نحو عشرة مليارات دولار سنويا في السنوات الاخيرة.وهنا تتشكل واحدة من اخطر معادلات الاقتصاد العراقي: ايرادات شديدة الحساسية لسعر النفط وحجم صادراته، في مقابل التزامات جارية كبيرة لا تستطيع الدولة تخفيضها بالسرعة نفسها عندما تتراجع الايرادات.

وتزداد الصورة وضوحا عند النظر الى الاجور والتقاعد. فقد قدر صندوق النقد انهما شكلا نحو 22 في المئة من الناتج المحلي الاجمالي في 2024، مع تقدير ارتفاعهما الى 24 في المئة في 2025. كما حذر الصندوق من ان ارتفاع فاتورة الاجور والتوسع في التوظيف العام يمثلان ضغطا متزايدا على استدامة المالية العامة.هذه ليست مشكلة محاسبية فحسب، بل تكشف طبيعة النموذج الاقتصادي نفسه.فالنفط يولد الجزء الاكبر من العملة الاجنبية، وعائداته تمول القسم الاكبر من الخزانة، والخزانة تمول الرواتب والمشروعات والمشتريات والتحويلات، وهذه الاموال بدورها تحرك الاستهلاك والتجارة والاستيراد.وعندما تكون اسعار النفط مرتفعة والصادرات مستقرة، تبدو هذه الدورة قادرة على الاستمرار. لكن هشاشتها تظهر عندما تتعرض الحلقة الاولى للصدمة.وقد وفرت سنوات الوفرة للعراق حاجزا ماليا مهما. فوفقا لصندوق النقد ارتفعت الاحتياطيات الاجنبية من نحو 63.8 مليار دولار في 2021 الى 96.6 مليار دولار في 2022، ثم الى نحو 111.7 مليار دولار في 2023، قبل ان تنخفض الى نحو 100.3 مليار دولار في 2024.وجود هذه الاحتياطيات يمثل قوة حقيقية للاقتصاد العراقي ولا ينبغي التقليل من اهميتها، لكنها تظل خط دفاع في مواجهة الازمات، وليست بديلا عن تنـــويع مصادر الدخل.

فالاحتياطي يستطيع شراء الوقت وتمويل الواردات والمساعدة في استقرار العملة، لكنه لا يستطيع الى ما لا نهاية تعويض فقدان تدفقات نفطية بمليارات الدولارات.ثم جاء عام 2026 ليكشف نوعا آخر من المخاطر.في 2020 كانت المشكلة انهيار سعر النفط. أما في 2026 فأصبحت المشكلة قدرة العراق على ايصال النفط نفسه الى السوق.وتظهر بيانات وزارة النفط العراقية المستندة الى ارقام شركة تسويق النفط «سومو» حجم الصدمة. ففي مارس 2026 هبطت الصادرات العراقية الى نحو 18.6 مليون برميل، بإيرادات بلغت نحو 1.96 مليار دولار فقط.وهذه النقطة تكشف جوهر ازمة هرمز: قد يمتلك العراق النفط، وتستمر الحقول في الانتاج، وقد تكون الاسعار العالمية مرتفعة، لكن البرميل الذي لا يصل الى السوق لا يتحول الى دولار يدخل الخزانة.وهنا تحول مضيق هرمز من ممر ملاحي الى مرآة كشفت خللا اقتصاديا تراكم عبر السنوات.فالعراق لم يكن يعاني نقص الموارد، بل نقص البدائل.لقد مر البلد خلال السنوات الست الماضية بمرحلة انهيار نفطي في 2020، ثم بطفرة ايرادات تاريخية في 2022، ثم بارتفاع سريع في النفقات الجارية خلال 2023 و2024، بينما بقيت الايرادات غير النفطية محدودة. وعندما جاءت صدمة 2026، ظهر ثمن هذا الاختلال دفعة واحدة.والارقام تكشف المفارقة بوضوح: بلغت النفقات الجارية في 2024 نحو 97 مليار دولار، بينما بلغت الايرادات غير النفطية نحو 9 مليارات فقط. أي ان الفجوة بين حجم الدولة وقدرتها على تمويل نفسها بعيدا عن النفط ما زالت واسعة جدا.

ومن غير الدقيق تحميل حكومة واحدة مسؤولية هذا الواقع، لأن الاختلالات الهيكلية في الاقتصاد العراقي اقدم من السنوات الست التي نتناولها، كما ان البلاد مرت بحروب واضطرابات سياسية وامنية وجائحة عالمية وتقلبات حادة في اسواق الطاقة. لكن ذلك لا يلغي حقيقة ان سنوات الوفرة لم تستثمر بالقدر الكافي في تخفيض اعتماد المالية العامة على النفط.ولهذا لا ينبغي ان يكون علاج ازمة هرمز محصورا في البحث عن طريق آخر لتصدير النفط.الحل الاول يجب ان يبدأ من الموازنة نفسها، عبر اعتماد قاعدة مالية تحدد سعرا مرجعيا محافظا للنفط، بحيث لا تتحول كل زيادة في اسعار الخام الى انفاق دائم. وما يتحقق فوق السعر المرجعي ينبغي ان يوزع وفق قاعدة قانونية واضحة بين الاحتياطيات وصندوق للاستقرار والاستثمارات المنتجة طويلة الاجل.ويحتاج العراق كذلك الى صندوق استقرار اقتصادي حقيقي تمول موارده في سنوات الوفرة النفطية، وتحدد بقانون صارم الحالات التي يسمح فيها باستخدامه. والهدف هو فصل جزء من الفائض النفطي عن دورة الانفاق الحكومي، حتى تمتلك الدولة موردا مستقلا عندما تأتي الصدمة التالية.

أما الايرادات غير النفطية فيجب ان تتحول من شعار الى هدف سنوي قابل للقياس. والمقصود ليس فرض ضرائب عشوائية جديدة على المواطنين، بل رقمنة الضرائب والجمارك، وتقليل التهرب والتسرب، وتعظيم عوائد اصول الدولة، واصلاح الشركات العامة، وتوسيع الاقتصاد الرسمي.كما ينبغي ان يتحول النفط نفسه من مصدر لتمويل الاستهلاك الى اداة لتمويل التنويع. ويمكن توجيه نسبة محددة من فوائضه الى الصناعات التحويلية والبتروكيماويات والاسمدة والزراعة الحديثة والنقل والخدمات اللوجستية والسياحة والاقتصاد الرقمي، وهي قطاعات تستطيع مستقبلا خلق الوظائف وتوليد ايرادات وعملة اجنبية من خارج تصدير النفط الخام.وفي الوقت نفسه، ينبغي التعامل مع تعدد منافذ تصدير النفط باعتباره جزءا من الامن الاقتصادي العراقي.فالاعتماد الكبير على الاتجاه الجنوبي ومضيق هرمز يجعل جزءا ضخما من موارد الدولة مرتبطا بممر جغرافي واحد. ولهذا تصبح زيادة القدرة على التصدير عبر تركيا، وتطوير منظومة كركوك-جيهان، وربط حقول الجنوب بمنظومة الشمال، وزيادة السعات التخزينية، ودراسة مسارات اقتصادية اضافية نحو البحر المتوسط او البحر الاحمر، بمثابة بوليصة تأمين للاقتصاد الوطني.

وقد بدأ العراق بالفعل في سبتمبر 2026 تجربة نقل النفط الخام من الحقول الجنوبية بالشاحنات الى كركوك بهدف تعزيز الصادرات عبر ميناء جيهان التركي. وهذه الخطوة، رغم محدودية قدرتها اللوجستية مقارنة بخطوط الانابيب، تؤكد اهمية امتلاك مسارات بديلة عندما يتعرض المنفذ الرئيس للاضطراب.

لقد قدمت السنوات الست الماضية للعراق اختبارين مختلفين يحملان الرسالة نفسها.في 2020 تراجعت موارد الدولة لأن سعر النفط انهار.وفي 2026 تعرضت الموارد للضغط لأن طريق النفط الى السوق اصبح معرضا للتعطل.مرة كانت الصدمة في السعر، ومرة كانت في الممر، لكن نقطة الضعف في الحالتين بقيت واحدة: اعتماد دولة ذات التزامات مالية كبيرة على مورد واحد شديد التأثر بما يحدث خارج حدودها.ولهذا فإن مضيق هرمز لم يصنع هشاشة الاقتصاد العراقي، بل كشف نتيجة تراكم سنوات من تأجيل الاصلاحات التي كان ينبغي ان تخفف الاعتماد على النفط، وتضبط نمو الانفاق، وتزيد الايرادات غير النفطية، وتقوي القطاع الخاص، وتبني صناديق استقرار ومنافذ تصدير متعددة.

والسؤال بعد هذه الازمة لا ينبغي ان يكون: متى تعود الصادرات العراقية الى مستوياتها السابقة؟

السؤال الاهم هو:

 ماذا سيفعل العراق عندما تعود مليارات النفط الى خزانته؟

فإذا عادت الايرادات وعادت معها دورة التوسع في الانفاق وتأجيل الاصلاح، فإن العراق سيكون قد خرج من ازمة مضيق هرمز جغرافيا، لكنه سيبقى داخل ازمته اقتصاديا.أما إذا تحولت صدمة 2026 الى نقطة بداية لاصلاح المالية العامة، وتنويع الاقتصاد، وزيادة الايرادات غير النفطية، وتنمية القطاع الخاص، وبناءصندوق للاستقرار وتنويع منافذ التصدير، فقد تتحول واحدة من اقسى الصدمات الى فرصة لتصحيح مسار طال انتظاره.فالهشاشة الاقتصادية لا تعني ان تكون الدولة فقيرة.قد تكون الدولة غنية جدا، لكنها تصبح هشة عندما تعتمد خزانتها على مورد واحد، وتكبر التزاماتها اسرع من بدائلها، ويرتبط الجزء الاكبر من ايراداتها بطريق يمكن ان تعطل حركته ازمة لا تملك الدولة قرارها.وهذا، قبل اي شيء آخر، هو ما كشفه مضيق هرمز للعراق.

المستشار الاقتصادي

 


مشاهدات 15
الكاتب عدنان الدوسري
أضيف 2026/09/29 - 3:40 PM
آخر تحديث 2026/09/29 - 11:50 PM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 1746 الشهر 50856 الكلي 16583376
الوقت الآن
الثلاثاء 2026/9/29 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير