من طهران إلى ناغويا.. نصف قرن بين الحضور والطموح
قصي حسن
لطالما كانت الرياضة العراقية أحد أبرز عناوين الحضور العراقي في المحافل الدولية، وواجهة مشرقة حملت اسم العراق إلى منصات التتويج في مختلف المنافسات القارية والعالمية. غير أن الرياضة، مثل أي مشروع وطني، لا تقاس بما حققته في الماضي بقدر ما تقاس بقدرتها على صناعة المستقبل. ومن هنا تبرز أهمية المشاركة العراقية في دورة الألعاب الآسيوية بناغويا اليابانية 2026، بوصفها فرصة لقراءة واقع الرياضة العراقية بين طموح الإنجاز ومتطلبات بناء قاعدة رياضية قادرة على استدامته.
في طهران عام 1974، سجل العراق أول ظهور له في الألعاب الآسيوية بوفد ضم 117 رياضياً، وعلى امتداد مشاركاته اللاحقة، حقق الرياضيون العراقيون إنجازات مهمة في ألعاب القوى ورفع الأثقال والملاكمة والمصارعة، فيما بقيت ذهبية منتخب كرة القدم في دورة نيودلهي عام 1982 واحدة من أبرز محطات الإنجاز الرياضي العراقي.
اليوم، يشارك العراق في ناغويا بـ13 رياضياً فقط يحملون آمال العراقيين في تحقيق نتائج مشرفة، وقد نجح أبطال التك بول في تسجيل بداية واعدة بمنح العراق ميدالية فضية وبرونزيتين، ومع ذلك، فإن القضية لا تتعلق بعدد المشاركين أو نتائج دورة واحدة، بقدر ما تتعلق بالسؤال الأكبر المرتبط بواقع القاعدة الرياضية العراقية.
فالألعاب الآسيوية ليست محطة لتسجيل الحضور، بل الميدان القاري الأوسع لاختبار قوة المنظومات الرياضية، والتراجع لم يعد محصوراً في حجم الوفد فحسب، بل امتد إلى خريطة الألعاب نفسها، حيث تراجعت الألعاب الجماعية بصورة لافتة، فيما ما زالت الرياضة النسوية دون الحضور الذي ينسجم مع حجم الطاقات والإمكانات المتاحة.
والمشكلة أن الرياضة العراقية لا تعاني من نقص في المواهب بقدر ما تعاني من صعوبة تحويل هذه المواهب إلى مشروع مستدام للإنجاز، فالعراق ما زال يزخر بالطاقات القادرة على المنافسة، لكن اكتشافها ورعايتها وتأهيلها يحتاج إلى منظومة متكاملة تبدأ من المدارس والأندية ولا تنتهي عند المنتخبات الوطنية، فالنجاح في الرياضة الحديثة لم يعد رهناً بالمواهب وحدها، بل بقدرة المؤسسات على الاستثمار فيها وصقلها والمحافظة عليها.
ومن هنا يصبح الحديث عن مشروع البطل الأولمبي بحاجة إلى مراجعة جادة، فالبطل الأولمبي لا يصنع بمعسكر قصير أو قرار إداري، بل هو نتاج قاعدة واسعة ومنظومة متكاملة من الإعداد والتطوير والمنافسة. فإذا كانت الرياضة العراقية تواجه صعوبة في بناء حضور آسيوي واسع، فكيف يمكن لها أن تبني بطلاً أولمبياً قادراً على مقارعة أبطال العالم؟
والإنصاف يقتضي عدم تحميل اللجنة الأولمبية وحدها مسؤولية هذا الواقع، لاسيما أنها تبنت المشاركة النوعية وربطت الدعم بتحقيق النتائج، في ظل موارد محدودة وتحديات مالية معروفة. فإعادة بناء الرياضة العراقية تتطلب تمويلاً حكومياً مستقراً، وبنى تحتية حديثة، واستثماراً حقيقياً في الرياضة المدرسية والأندية والاتحادات. إن التحدي الحقيقي لا يكمن في عدد الرياضيين المشاركين في ناغويا، بل في القدرة على إعادة رسم سياسة رياضية وطنية تصنع قاعدة واسعة للمنافسة قبل أن تبحث عن منصة التتويج. فالميدالية الأولمبية التي نحلم بها لا تبدأ في الأولمبياد، بل تبدأ من هنا... من آسيا.