الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
خطب رؤساء الدول أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة .. خفاياها أكبر

بواسطة azzaman

خطب رؤساء الدول أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة .. خفاياها أكبر

علي التميمي

 

تتجه أنظار العالم في هذا الأسبوع الى قاعة الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، حيث الدورة الحادية والثمانون. ويتكرر نفس المشهد كل عام: رئيس يلوح بيده، يلقي خطابا من 15 دقيقة، يصفق له وفده، ثم يغادر. يظن المشاهد أن الأمر بروتوكولي، لكن من زاوية القانون الدولي، هذا الخطاب هو أخطر أداة سياسية يملكها الرئيس.

*أولا: ماذا يقول الميثاق؟*

الميثاق لم يمنح الجمعية العامة سلطة إصدار قرارات ملزمة كمجلس الأمن. اختصاصها حسب الفصل الرابع هو اختصاص تداولي وتوصوي فقط:

المادة 10 أعطتها الحق في مناقشة أي مسألة تدخل في نطاق الميثاق، والمادة 11 خصصت لها النظر في المبادئ العامة لحفظ السلم والأمن ونزع السلاح، والمادة 13 كلفتها بتشجيع تطوير القانون الدولي وتدوينه وحماية حقوق الإنسان، والمادة 14 سمحت لها بالتوصية بالتسوية السلمية لأي موقف يعكر العلاقات الودية، والمادة 17 جعلت بيدها إقرار الميزانية.

لكن هناك قيد خطير في المادة 12: لا يجوز للجمعية أن تقدم أي توصية بشأن نزاع ينظره مجلس الأمن في نفس الوقت، إلا إذا طلب منها المجلس ذلك. هذا يعني أن الخطاب أمام الجمعية ليس لاتخاذ قرار تنفيذي، بل هو لتكييف الرأي العام الدولي قبل أن يصل الملف لمجلس الأمن.

*ثانيا: لماذا يخطب الرئيس إذن اذا كان القرار غير ملزم؟*

الجواب في ثلاث خفايا لا تظهر في النص القانوني:

1-  *بناء السردية القانونية:* عندما يقول رئيس أمام 193 دولة "نحن ملتزمون بحصر السلاح بيد الدولة وفق الدستور" فهو يخلق التزاما سياسيا أمام المجتمع الدولي يمكن الاستناد اليه لاحقا كدليل على النية الحسنة للدولة. هذا ما يسمى في القانون الدولي بالـ Unilateral Declaration.

2-  *ما وراء المنبر:* الأهم ليس ما يقال على المنصة، بل ما يتم في الكواليس. أسبوع الجمعية العامة هو أكبر سوق دبلوماسي في العالم، يعقد فيه أكثر من 500 لقاء ثنائي. الخطاب العلني هو مجرد دعوة للتفاوض السري.

3-  *رسالة مزدوجة:* الرئيس يخاطب الخارج والداخل معا. في الخارج يطلب الشرعية، وفي الداخل يثبت السيادة.

*ثالثا: حالة تطبيقية - خطاب رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي*

خطاب الزيدي المرتقب هو النموذج الأدق لهذه الخفايا. هو لا يذهب ليلقي كلمة إنشائية، بل يحمل ملفات قانونية وسيادية مصيرية:

أمام الجمعية، مطلوب منه حسب بيان مكتبه أن يعرض مواقف العراق من الأزمات الإقليمية ومنهج الحكومة في الإصلاح الاقتصادي وتنويع الدخل ومعالجة الفساد والانفتاح على الاستثمار وتأكيد السيادة الوطنية.

لكن الخفايا الأكبر تكمن في لقاءاته على الهامش مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ووزير الخارجية ماركو روبيو:

-  *قانونيا:* تاريخ 30 أيلول هو موعد انتهاء المهمة العسكرية للتحالف الدولي. الزيدي سيقدم التزاما بحصر السلاح وفق المادة 9 من دستور العراق التي تنص على حصر السلاح بيد الدولة، عبر خطة 90 يوم هدنة للفصائل ثم تسليم تدريجي ينتهي في 30 حزيران 2027.

-  *اقتصاديا:* العراق خسر حسب بياناته 60% من إيراداته النفطية بسبب إغلاق مضيق هرمز بعد الحرب الأمريكية-الإيرانية. خطابه هو طلب ضمني لتفعيل مبدأ التعاون الاقتصادي الدولي المنصوص عليه في المادة 55 من الميثاق، وتحويل العلاقة مع واشنطن من أمنية الى شراكة اقتصادية طويلة الأمد.

-  *سياسيا:* يريد أن يحول الجمعية العامة من منبر إدانة للعراق بسبب الفصائل، الى منبر دعم لاستقرار العراق.

الخلاصة القانونية: خطب الجمعية العامة لا تصنع قانونا ملزما، لكنها تصنع المناخ الذي يصنع فيه القانون. ومن لا يحسن استغلال الـ 15 دقيقة، سيكتب الآخرون مصيره في الـ 15 سنة القادمة.


مشاهدات 52
الكاتب علي التميمي
أضيف 2026/09/23 - 3:02 PM
آخر تحديث 2026/09/24 - 1:08 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 107 الشهر 40396 الكلي 16572916
الوقت الآن
الخميس 2026/9/24 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير