الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
سبب مرض الطمع لدى الانسان.. من منظور علم الاجرام

بواسطة azzaman

سبب مرض الطمع لدى الانسان.. من منظور علم الاجرام

عماد يوسف خورشيد

 

تتأصل النفس البشرية على غرائز فطرية تضمن استمرارية الحياة، كالمأكل والمشرب والأمن، والدفاع عن النفس، والتكاثر. وفي المقابل، يكتسب الإنسان القيم منذ طفولته من محيطه لتكون ضابطًا ينظم عمل هذه الغرائز. فهذه القيم تتجذر في فكر الطفل منذ نعومة أظفاره، لتتحول إلى شعور ثم إرادة توجه سلوكه بشكل طبيعي.

غير أن المشكلة تكمن في ترك الغرائز تعمل دون ضابط أو حاكم لها. فماذا ينتج عن ذلك؟ ومن هذه الغرائز التي نتوقف عندها بإيجاز: غريزة التملك بشكل غير مشروع، وما ينجم عنها من مرض نفسي هو الطمع.

ونرى من الضروري بيان معنى الطمع؛ فالشخص الطماع هو الذي لا تشبع عينه أو نفسه، ويرغب دائمًا في أخذ ما في أيدي الآخرين دون قناعة أو رضا، ودون وجه حق.

والإنسان بشكل عام تدفعه غريزة التملك ليضمن استمرارية الحياة من خلال تلبية احتياجاته، وهذا أمر طبيعي لا ضير فيه. لكن البعض قد يلجأ إلى الحصول على المال وجميع الأشياء دون المبالاة بوسيلة الحصول عليه، سواء كانت مشروعة أم غير مشروعة، وهذا حال الإنسان الذي لا يحمل من القيم شيئًا.

وفي المقابل، نلاحظ في الواقع أن من يعمل ويحصل على المال بشكل مشروع ولا يمد فكره أو يده للاستحواذ على أموال الآخرين، نستنتج أن هذا الشخص قد تربى على حمل القيم الإنسانية من محيطه، وقد رأى قدوة حسنة اقتدى بها ليكون لديه ضابط يوجه غرائزه ليعمل بشكل طبيعي.

ومن الأمثلة التي لاحظناها على الطمع في الواقع: ارتكاب جريمة السرقة، أو اختلاس أموال الدولة، أو منع الورثة من حقوقهم في الميراث الذي تركه والدهم أو والدتهم، أو ارتكاب جريمة الاغتصاب أو الزنا، أو المنافسة غير المشروعة، وبالمجمل ارتكاب كل ما هو مرفوض في المجتمع بشكل غير مشروع ومخالف للقانون.

في حين أن المنطق الإنساني السليم يفرض أن يتم إشباع غريزة التملك بالعمل بأي حرفة أو مهنة أو وظيفة مشروعة، والحصول على المال لإشباع حاجاته. وكذلك يتم إشباع الغريزة الجنسية بالزواج الذي يكمن غايته في بناء حياة مشتركة وتكاثر النسل.

تأسيسًا على ما تقدم، ووفقًا لرؤى علماء الإجرام، يعد الطمع مرضًا نفسيًا يصيب الفرد نتيجة عجزه عن إحداث توازن في إشباع الغريزة الإنسانية، وهو ما ينبع من غياب الوازع الذي يمنعه من سلوك طريق غير مشروع، والذي فقده منذ الطفولة، بالإضافة إلى عدم قدرته على تقدير عواقب أفعاله. وينجم عن ذلك تفاقم المشكلات وارتكاب الجرائم.

وغالبًا ما لا يجدي النصح والتوجيه مع هؤلاء، فقد يكونون قد اطلعوا على القيم وما تتضمنه من قناعة، وعدل، وآداب عامة، وحياء... إلا أنهم يجهلون كيفية تطبيقها على أرض الواقع وفق أصولها الصحيحة. ولو أدركوا حقيقتها، لاستغربوا ما اقترفته أيديهم ولما أقدموا على فعله ان كانت بصيرتهم تعمل بشكل صحيح. وبالتالي، يصبح دور القانون والقضاء جوهريًا لحماية حقوق وحريات الأفراد من اجرام أمثال هؤلاء.

ولتقريب فهم ما تقدم، نقدم المثال الآتي للتوضيح: الفسيلة عند زراعتها وبدء ساقها بالاستقواء، إذا لاحظ الإنسان اعوجاجها، يضع بجانبها عصا أو يربطها بحبل ليسندها وتنمو بشكل مستقيم، وتبقى كذلك مستقيمة إلى أن يشاء الله. ولكن في حال كبرت الشجرة ولم يتم وضع مسند لتقويم اعوجاجها، تكبر والساق أعوج، ولا يمكن تعديله بعد الكبر إلا بجهد كبير، وقد لا يجدي نفعًا. كذلك حال الإنسان، تُغرس القيم والقواعد الصحيحة منذ الصغر ليكون ضابطًا لسلوكه حتى الممات، وإلا فالغرائز تعمل بشكل سريع وغير مسيطر عليه، وبالتالي يتدخل القانون لمنع بطشها بالمجتمع، ليستطيع بقية الناس العيش بسلام. وفي هذا الاتجاه يقول الشاعر:

استقمْ بنفسك يستقمْ بك غيرك... فكيف يستقيم الظل والعود أعوج

والمشكلة الكبرى تكمن إذا كان الأب لا يحمل القيم، ولا يبالي بالوسيلة التي يحصل بها على المال، فكيف سيكون حال الأطفال؟ بالتأكيد، ستكون فيروسات تتنقل في المجتمع وتعدي كل من لا يحمل المناعة القيمية. وهنا يأتي دور مؤسسات الدولة جميعها والمجتمع على حد سواء، كل من موقعه في التوجيه وغرس القيم وبيان السلوك المجرم ونطاق الحرية، من خلال وسائل الإعلام والدورات والندوات والمؤتمرات في المدارس والجامعات وبقية دوائر الدولة. وكذلك دور القضاء من خلال المحاكم والأحكام التي تصدرها، والتي تحوي في مضمونها ترسيخ القيم وإصلاح المجرم وتوجيه وردع كل من تسول له نفسه ارتكاب مثل هذه الجرائم.

وفي الختام نقول، إن صلاح الحال لا يكون إلا بضبط عمل الغرائز على أصولها الصحيحة، وهذا لا يتم إلا بتفعيل ضابط القيم التي تتجلى في الأخلاق الحسنة، وهنا نستذكر قول الشاعر أحمد شوقي:

صَلاحُ أَمرِكَ لِلأَخلاقِ مَرجِعُهُ ... فَقَوِّمِ النَفسَ بِالأَخلاقِ تَستَقِمِ

 

 


مشاهدات 50
الكاتب عماد يوسف خورشيد
أضيف 2026/09/20 - 3:11 PM
آخر تحديث 2026/09/21 - 1:26 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 165 الشهر 35007 الكلي 16567527
الوقت الآن
الإثنين 2026/9/21 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير