الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
محمد خضير الانباري

بواسطة azzaman

حين يصبح الإنتظار أجمل من الصباح

محمد خضير الانباري

 

هناكَ أغانٍ نسمعها، وهناكَ أغانٍ تحدثُ لنا، ومنْ بينِ الأغاني التي لا تمرُ على الأذنِ مرورا عابرا، تقفُ (أغداً ألقاك) في مكانٍ خاص؛ أغنية كلما عادتْ إلى مسامعنا، عادتْ معها أشياء كثيرة ظننا أننا نسيناها: وجهٌ غاب، وموعدا طالَ انتظاره، وصديقا أخذتهُ المسافات، وبيتا تركناه- ذاتَ يوم- ولمْ نعرفْ أنَ الشوقَ إليهِ سيكبرُ فينا كلما ابتعدنا عنه.

عندما استمعَ إلى أمِ كلثوم، وهيَ تغني (أغداً ألقاك)، تتداخلُ في داخلي مشاعرُ كثيرة، ويأتي صوت بعيد يقول: رحمَ اللهُ الشاعر الهادي آدم، ورحمَ اللهُ الموسيقارَ رياض السنباطي، ورحمَ اللهُ تلكَ الأيامَ التي أنجبتْ لنا هذا الجمال، لمْ يكنْ الهادي آدم يكتبُ كلماتٍ لأغنيةٍ وحسب، كانَ يضعُ بينَ يديهِ شيءٌ منْ قلبه، شيئا يشبهُ رسالةً طويلةً كتبها إنسانٌ إلى الغد، ثمَ حملها بكلِ ما فيها منْ شوقٍ وانتظار، وسلمها إلى صوتِ أمِ كلثوم.

ما إنْ أخذتْ أمّ كلثومَ رحمها الله، الكلمات، وغنتها، حتى خرجتْ منْ حدودِ الشاعرِ إلى فضاءٍ أوسعَ بكثير، لمْ تعدْ (أغدا ألقاك) قصيدةْ شاعرٍ سوداني، ولا أغنيةٍ مصرية، بلْ أصبحتْ حالة عربية كاملة؛ منْ المحيطِ إلى الخليج، وجدَ كلُ إنسانٍ فيها شيئا يشبهه. وهنا تكمنُ عظمةُ الكلمةِ حينَ تجدُ صوتها. فكلمةُ (اللقاء) وحدها قادرة على أنْ تفتحَ في اللغةِ العربيةِ أبوابا لا تنتهي.

ما اللقاء؟ قدْ يكونُ لقاء حبيبا بحبيبتهِ بعدَ غيابٍ طويل، قدْ يكونُ لقاء صديقا بصديقٍ لمْ ترهُ منذُ سنوات، قدْ يكونُ لقاء الابن بأبيهِ وأمهِ بعدَ أنْ أخذتهُ الحياة بعيدا عنهما، قدْ يكونُ لقاءَ الإنسانِ بمدينتهِ الأولى، أوْ ببيتهِ القديم، أوْ بذكرياتِ طفولته، قدْ يكونُ اللقاءُ مختلفا تماما: لقاءَ الإنسانِ بعملٍ ينتظره، أو فرصةُ تغيرِ حياته، أوْ مستقبلٌ جديدٌ ظلَ يحلمُ بهِ طويلا.

حتى الأحلامِ لها مواعيدُ للقاء، ولهذا تبدو الأغنية، وكأنها تتسعُ لكلِ هذهِ المعاني، لأنَ الشوقَ واحد، مهما اختلفتْ الوجوهُ التي نشتاقُ إليها، والعجيبُ في الإنسانِ أنهُ يستطيعُ أنْ يصبرَ على أشياءَ كثيرة، لكنهُ لا يستطيعُ دائما أنْ يصبرَ على اللقاءِ حينَ يصبحُ قريبا.

حينَ يعرفُ أنَ الموعدَ غدا، يصبحُ الليلَ أطول منْ عادته، وتصبحُ عقارب الساعةِ بطيئة، وكأنَ الزمنَ نفسه، قررَ أنْ يختبرَ صبر المحب، والإنسانِ المترفِ بالإحساسِ لا يجلسُ منتظرا الصباح، إنهُ يريدُ أنْ يذهبَ إليه، يتمنى لوْ يستطيعُ أنْ يطويَ الليلَ بخطواته، أنْ يعبرَ الساعاتِ واحدة واحدةٍ حتى يصلَ إلى اللحظةِ التي طالَ انتظارها. ما أجملَ اللقاءَ إذا جاءَ بعدَ صبرٍ طويل، أنْ تصلَ إلى وجهٍ اشتقت إليه، فتجدهُ أمامك كما تمنيت: وجهٌ مضيء، مبتسما، ضاحكا، لا يحملُ عبوس الغياب، ولا تعبُ الانتظار، ما أجملَ أنْ تلتقيَ بمنْ تحب، فلا تحتاجُ إلى شرحٍ كلُ ما حدثَ في غيابك؛ يكفي أنْ تراه، ويكفيَ أنْ يراك، فبعض اللقاءات، لا تحتاجُ إلى كلام. العيونُ تقومُ بالمهمةِ كلها، ولعلَ هذا هوَ سرُ بقاءٍ (أغداً ألقاك) حتى اليوم.  إنها لا تتحدثُ عنْ شخصينِ فقط، بلْ عنْ الإنسانِ في علاقتهِ بالانتظار، كلّ واحدٍ منا لديهِ « غدا ألقاك « الخاصة به. قدْ تكونُ إنسانا ننتظرُ عودته. قدْ تكونُ مدينة نشتاقُ إليها، قدْ تكونُ أما أوْ أبا أوْ صديقا. وقدْ تكونُ فرصة، قدْ تكونُ حياة جديدة نقفُ على عتبتها. وربما تكونُ أمنيةً لمْ تتحققْ بعد، لكننا ما زلنا نؤمنُ أنها ستأتي.

 إنَ (غدا) في هذهِ الأغنيةِ ليستْ مجرد اليومَ الذي يلي اليوم، (غدا) هنا وعد، وعدَ بأنَ الغيابَ لنْ يستمرَ إلى الأبد، ووعدَ بأنَ الانتظار، مهما طال، يمكنْ أنْ ينتهيَ بلحظةٍ واحدةٍ تجعلُ كلّ ما مضى مفهوم. لهذا حينِ أسمعَ أمَ كلثومَ تقولُ « غدا ألقاك «، لا أشعرُ أنني أستمعُ إلى أغنيةٍ قديمة. أشعرُ أنني أقفُ أمامَ بابٍ وراءَ هذا البابِ لقاء، وأمامَ هذا البابِ انتظار، وبينهما قلب لا يريدُ أنْ يستسلمَ للوقت.

    رحمَ اللهُ الهادي آدم الذي كتب، ورحمَ اللهُ رياض السنباطيّ الذي ألبسَ الكلماتِ جناحينِ منْ لحن، ورحمَ اللهُ أمَ كلثومَ التي جعلتْ القصيدةُ صوتا يسافرُ عبرَ الأجيال. في مطلعها الرائع:

أغداً ألقاك؟ يا خوفَ فؤادي منْ غد،

يا لشوقي واحتراقي في انتظارِ الموعد،

   أما نحن، فنظلُ نسمعها، ونضعُ لكلِ كلمةٍ منها حكايتنا الخاصة، ثمَ نقول: أغدا ألقاك … ونصمت، لأنَ بعضَ اللقاءاتِ أجمل حينَ نتركُ لها الصمت أنْ يتحدث... سأتوقفُ هنا، وأدعوا من الله الكريم ، لمن ينتظر بأن يتحقق اللقاء.... !


مشاهدات 50
أضيف 2026/09/07 - 9:44 PM
آخر تحديث 2026/09/08 - 1:06 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 147 الشهر 12021 الكلي 16544541
الوقت الآن
الثلاثاء 2026/9/8 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير