رائحة الورق تُفرح بغداد
منتصر صباح الحسناوي
معارض الكتاب من فضاء للقراءة إلى طقس جماهيري عراقي.
اعتدت، حالي حال الكثير من العراقيين، زيارة معارض الكتاب التي تقام على أرض معرض بغداد الدولي، مهما اختلفت مسمياتها بين معرض العراق الدولي للكتاب ومعرض بغداد الدولي للكتاب، فضلًا عن المعارض التي أخذت تنتقل إلى المحافظات وتسير على النهج ذاته، مستقطبة عشرات وأحياناً مئات دور النشر العراقية والعربية والأجنبية، حتى أصبحت هذه المعارض أقرب إلى كرنفال جماهيري واسع تتجاور فيه الكتب والندوات والاحتفالات ويحضر فيه المؤلفون والمثقفون والفنانون والشعراء إلى جانب جمهور متنوع جاء بعضه يبحث عن كتاب، وجاء بعضه الآخر ليستمتع بأجواء المكان وما تمنحه من شعور مختلف.
وقبل الدخول في أهمية هذه المعارض ودورها في نشر الثقافة، أجد أنها تجاوزت وظيفتها التقليدية كمكانٍ لعرض الكتب وبيعها وتحولت تدريجياً إلى طقس اجتماعي وجماهيري، يتسع للقراء والباحثين والأكاديميين، كما يتسع لمن وجد فيها فسحة جميلة تبعده ساعات قليلة عن الضغوط التي تحيط به أو مقصداً يغير فيه إيقاع يومه ويتجول بين العناوين والوجوه والمقاهي والندوات وربما يلتقط صورة إلى جوار كتاب لم يقرأه، لكنه يشعر بالقرب منه وبالانتماء إلى عالمه، وهذا بحد ذاته يحمل دلالة مهمة على مكانة الكتاب في الوعي الجمعي، حتى لدى أولئك الذين تراجعت علاقتهم اليومية بالقراءة.
وبالتأكيد هناك جمهور قارئ يتتبع الإصدارات الجديدة ويبحث عن عناوين محددة وينتظر حضور كاتب أو مفكر، كما يحضر الأكاديميون والطلبة والمهتمون بالشأن الثقافي، غير أن ما يميز التجربة العراقية هو هذا الإقبال الشعبي الواسع الذي يمنح المعرض روحه الخاصة وهي روح لم ألمسها بالمستوى ذاته في معارض عربية زرتها، ربما كانت أعلى تنظيماً وأكثر حداثة، مثل بعض معارض المملكة العربية السعودية أو معرض أبوظبي، لكنها بدت أكثر هدوءًا وأقل اندماجاً بالمزاج العام مما يحدث في بغداد.
وتبقى لمعرض القاهرة الدولي للكتاب مكانته الاستثنائية، بما يمثله من احتفالية ثقافية وشعبية كبرى، تستند إلى تاريخ طويل وإلى مدينة ارتبطت بالكتاب والنشر والقراءة. ولعل العبارة التي رافقت أجيالاً عربية كاملة: «القاهرة تكتب وبيروت تطبع وبغداد تقرأ»، تعود إلى الذاكرة كلما ازدحمت ممرات معرض بغداد بالزائرين حتى وإن تبدلت الأدوار بين العواصم، وتغيرت صناعة النشر ودخلت الشاشات والمنصات الرقمية منافسًا قوياً للورق.
ومع ذلك، حافظت معارض الكتاب في بغداد على ثيمتها الخاصة في قلوب العراقيين بصرف النظر عن حجم ما يقرؤونه أو يشترونه، لأنها أصبحت مناسبة للقاء والفرح واستعادة شيء من صورة العراق الثقافية التي بقيت حاضرة في ذاكرته، ونافذة يطل منها الناس على عالم أوسع من يومياتهم. ولذلك تمثل هذه الظاهرة مساحة تستحق الاهتمام والتطوير، لأنها تنمي الأمل بعودة الكتاب إلى الحياة العامة أو على الأقل تحفظ مكانه فيها، وتمنح رائحة الورق فرصة للاستمرار، كما تحافظ على عبق المكتبات المنزلية التي ظلت البيوت العراقية تفتخر بها، وترى في رفوفها جزءًا من ذاكرتها وهيبتها وهويتها.