مُدورَةُ المَنْفَى وَالأَبَابِيلُ
عبد المنعم حمندي
تَنُوءُ المَنَافِي، وَيَصْحُو التُّرَابُ، وَتَهْبِطُ سَبْعُ سَمَاوَاتِ حُزْناً عَلَى النَّخْلِ وَالقُبَّرَاتِ، وَلا تُدْرِكُ النَّفْسُ إِلَّا إِذَا زُلْزِلَتِ الأَرْضُ زِلْزَالَهَا..
دَاهَمَتْنَا الضِّبَاعُ، فَلَا النَّايُ يَحْمِي المَسَاءَ وَلَا تَسْتَطِيعُ القَصَائِدُ أَنْ تَجْرَحَ الهَمَرَاتِ، وَلَيْلُ الغُزَاةِ رَصَاصٌ وَدَهْمٌ وَمَوْتٌ لِمَنْ يَصْعَدُونَ إِلَى الشَّمْسِ فِي جَوْقَةٍ مِنْ طُيُورِ الأَبَابِيلِ، كَيْفَ مَرَّ الغُزَاةُ؟
أَوَّلُ الغَيْثِ كَانَ القِطَارُ الملاذ الأخير، نَوَيْنَا الرَّحِيلَ، طوينا المَسَافَاتِ، فِي شَهْرِ نِيسَانَ عُشْبٌ وَعُرْسٌ وَعِيدٌ.. (كَانَ نِيسَانُ أَقْسَى الشُّهُورِ) إِيلْيُوتُ قَالَ: التَّنَاقُضُ يَقْسُو عَلَى المَوْتِ وَالحُبِّ أَرْضَ الخَرَابِ، وَسَارَ القِطَارُ عَلَى جُثَّةِ الوَطَنِ المُسْتَبَاحِ، وُلِدْنَا وَعِشْنَا وَمَا كَانَ يَخْطُرُ فِينَا الرَّحِيلُ.. وَكَيْفَ نَفِرُّ؟ قَالَ لِي المَوْتُ: تَخْشَى عَلَى النَّهْرِ يَوْماً يَجِفُّ إِذَا مَا نَوَيْتَ الرَّحِيلَ وَتُسْبَى البِلَادُ؟ بِكَيْتُ وَصِحْتُ: بِأَيِّ الذُّنُوبِ قُتِلْنَا وَمَاذَا اقْتَرَفْنَا؟ لِمَاذَا تَرَكْنَا الفُرَاتَ غَرِيباً؟ يَظُنُّونَ أَنَّ القُبُورَ تَوَارَتْ، فَلَمَّا هَبَطْنَا، صَعَدْنَا مَعَ الرِّيحِ نَحْوَ الشَّتَاتِ لِنَيْلِ جَوَازِ المُرُورِ، وَنَسْأَلُ كَيْفَ غَسَلْنَا المَدَائِنَ بِالنَّائِحَاتِ لِيُوقِظَ غَفْوَ السَّحَابِ؟ فَكَيْفَ اسْتَفَاقَ المَطَرُ؟ وَتِلْكَ العَصَافِيرُ مَرْهُونَةٌ لِلْغُصُونِ تُرَفْرِفُ، تَبْكِي، وَأَعْشَاشُهَا فِي مَهَبِّ الرِّيَاحِ نَسِيجُ دُمُوعِ النَّخِيلِ، وَعِنْدَ الغُرُوبِ رَأَيْنَا النَّعِيقَ بِكُلِّ المُهَاجِرٍ دَوَّى، وَكَانَ صَدَاهُ رَحِيلاً يَلُوذُ بِلَيْلٍ وَنَجْمٍ مُرِيبٍ.. وَكُلُّ القِطَارَاتِ مَلْأَى، تَسِيرُ بِغَيْرِ هُدًى أَوْ عَلَامَاتٍ تُرْشِدُ أَيْنَ الطَّرِيقُ؟
تُطِلُّ وُجُوهٌ مِنَ الغَمِّ مَغْسُولَةٌ بِالهُمُومِ الَّتِي شَاقَهَا الوَيْلُ، تَرْنُو إِلَى مَطْلَعِ الفَجْرِ! لَا فَجْرَ فِي الأُفُقِ.
تَغْفُو المَصَابِيحُ، يَصْحُو السُّكُونُ، وَكُنَّا نُبَلْسِمُ أَحْزَانَنَا بِالغِنَاءِ، نُغَلِّفُ فِيهِ دُخَانَ الأَنِينِ.. حُشُوداً مِنَ النَّمْلِ كُنَّا، نُفَتِّشُ عَنَّا، فَأَيُّ العَوَاصِمِ تَأْوِي الحُشُودَ.. وَأَيُّ البِحَارِ؟ وَكُلُّ القِطَارَاتِ تَقْرَفُ مِنْ لَحْمِنَا المُسْتَراب ، وَتَهْرُبُ مِنَّا العَوَاصِمُ وَالمُدُنُ الجَائِعَاتُ كَأَنَّ الدِّمَاءَ الَّتِي فِي العُرُوقِ وَبَاءٌ! فَلَا مِنْ غُيُومٍ تَنُثُّ الرَّذَاذَ وَلَا مِنْ مَطَرٍ.. انْتَظَرْنَا مِنَ العَصْرِ حَتَّى زَوَالِ السَّحَرِ.
إِنَّ هَذِي المَدَائِنَ تَخْشَى مِنَ الِاغْتِيَالِ، تَخَافُ الزَّوَايَا، وَلَكِنَّ لِلأَرْضِ رُوحاً وَشَمْساً، وَفِيهَا رَغِيفٌ وَضَوْضَاءُ نَهْرٍ تَشَبَّثَ بِالرَّاحِلِينَ، فَمَا اليَأْسُ إِلَّا جَنِينٌ تَرَبَّى عَلَى القَهْرِ بَيْنَ الأَسَى وَأَلأَمَلِ.. فَلَمَّا صَحَوْنَا مِنَ الخَوْفِ تُهْنَا وَضَعْنَا، شَرِبْنَا سَرَابَ المَنَافِي، وَفِي التِّيهِ قَالَ لَنَا البَحْرُ: مَرَّتْ أَمَامَ السَّفِينَةِ غَرْنَاطَةُ.. حُرَّاسُهَا مِنْ نُحَاسٍ وَلَا يُشْهِرُونَ الرِّيَاحَ، وَمِنْ بَاطِنِ البَحْرِ يَأْتِي الضَّجِيجُ، فَهَلْ يَعْلَمُ النَّخْلُ أَنَّا عَبَرْنَا وَلَا مِنْ صُّوَىً أَوْ سُرَاةٍ؟ اشْتَعَلْنَا مَعَ الوَرْدِ حَتَّى أَقَمْنَا الأَذَانَ لِيَعْبُرَ فِي الشَّوْقِ رَفُّ الحَمَامِ، فَجَفَّتْ دُمُوعُ النَّشِيدِ!
هَلْ رَأَيْتَ مَدِينَةً.. كَانَتْ تَنَامُ عَلَى الذِّكْرَيَاتِ الَّتِي رُبَّمَا أَنْجَبَتْ غَيْرَ أَبْنَائِهَا المُبْعَدِينَ؟ رُبَّمَا غَيَّرَتْ سِحْنَةَ الغُرَبَاءِ، فَكَيْفَ تَنَامُ وَفِيهَا حُشُودٌ مِنَ الحَالِمِينَ؟ وَكَيْفَ تَنَامُ بِلَادِي وَفِيهَا لُصُوصٌ مِنَ الجِنِّ لَا يَشْبَعُونَ، يَسْرِقُونَ الزُّهُورَ وَلَحْناً تَغَنَّى بِهِ الشِّعْرُ وَالأَنْجُمُ السَّاهِرَاتُ؟ أُبَرِّءُ دِجْلَةَ مِمَّا أَغَاظَ التُّرَابَ وَمِمَّا اسْتَبَاحَ النَّدَى وَأَسْتَلُّ مِنْ شَهْقَةِ الُّروحِ آهاً وَغُصْناً، وَمَا زَالُ يَسْعَى مَعَ الأَفْعُوانِ عَلَى صَخْرَةٍ مِنْ جِرَاحِ السَّرَاةِ. كَذَبَ الأَدْعِيَاءُ الحُوَاةُ، كَذَبَ الوَاقِفُونَ عَلَى الأَرْصِفَةْ.
نَحْنُ وَالنَّهْرُ كُنَّا نَذُودُ عَنِ القُبَّرَاتِ، اِسْأَلُوا الفَجْرَ سِرّاً وَيَشْهَدُ هَذَا الهَوَاءُ وَهَذِي الفَرَاشَاتُ قَبْلَ الرَّحِيلِ. أَلَسْتَ الَّذِي كَانَ يَرْوِي الضِّفَافَ وَيَسْقِي العَصَافِيرَ مِنْ دَمْعِهِ قَبْلَ مَجِيءِ الغُزَاةِ..؟ لَا أُحِبُّ المَرَايَا، فَخَلْفَ السِّتَائِرِ يَغْدُو الرَّصَاصُ سُعَالَ الشَّوَارِعِ، تَسْقُطُ سَهْواً أُرُومَةُ خَيْرٍ وَخَيْلٍ مِنَ القَتْلِ مَسْحُورَةً بِالتَّرَاتِيلِ مَحْفُوفَةً بِالصَّلَاةِ.. فَكَيْفَ لَهَا أَنْ تَنَامَ؟ أَجُوبُ المَنَافِي بِكُلِّ الفُصُولِ، فَلَا الخَوْفُ يَمْنَعُ عَنِّي الحَنِينَ وَلَا يَسْتَطِيعُ القَدَرُ.. وَمِمَّا أَخَافُ؟ وَهَذَا الشُّعَاعُ خُطَايَ بِلَا قَدَمَيْنِ، وَرُوحِي الَّتِي مَا تَزَالُ هُنَا، تَقْتَفِي أَثَراً فِي الأَثَرِ، تَحْتَ جِلْدِ الخَرَائِطِ.. تَصْحُو بِلَادِي وَتَنْأَى، فَكَيْفَ تَعُودُ؟
........