الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
حين يصبح نجاح الآخر مرآةً للذات

بواسطة azzaman

حين يصبح نجاح الآخر مرآةً للذات

سوران محمد

 

حدث لي ذات مرة، وأنا أعمل مترجمًا، أن أجريت مقابلة خارج وقت عملي مع أحد الدكاترة، ثم بعثتها الى مسؤول الاعلام لهذه مؤسسة الترجمة، والذي كان يقوم بأعداد المنشور، ثم نُشرت في بداية الشهر، وكان الأمر بالنسبة إليّ عملًا مهنيًا عاديًا، وفرصة للقيام بما أحب وأتقن، ولم أكن أتصور أن المقابلة نفسها يمكن أن تستفز سؤالًا غريبًا لدى أحد الزملاء.

وبعد نشرها، صادفت أحد المترجمين، فنظر إليّ وقال:

"ما هذه المقابلة؟ هل هذه تكون الأخيرة؟"

توقفت للحظة. لم أفهم في البداية ما الذي قصده تحديدًا، ثم شعرت أن وراء السؤال شيئًا آخر غير مجرد الاستفسار عن المقابلة. كان في نبرته ما جعل العبارة تبدو أقرب إلى اعتراض مكتوم أو ضيق من ظهور الآخر ونجاحه.

تعجبت، ولم ينطق لساني بالرد.

لم يكن صمتي عجزًا عن الإجابة، وإنما كان دهشةً من السؤال نفسه: لماذا يمكن لإنجاز الآخر أن يثير فينا القلق؟

ومنذ ذلك الموقف، أخذت أتأمل ظاهرة؛ كثيرًا ما تكون حاضرة في الأوساط الأدبية والثقافية، لكنها نادرًا ما تُناقش بصراحةالحسد والغيرة والغبطة بين أهل الأدب والثقافة، تجاه نجاح الآخرين وحضورهم ومكانتهم.

بينما أن الشخص المبدع حقًا لا يحتاج إلى أن يملأ نفسه بحسد الآخرين، لأنه غني من داخله. فالمبدع الذي يعرف قيمة ما يملك من موهبة وتجربة وصوت خاص، لا يرى في نجاح الآخرين انتقاصًا منه، ولا يشعر أن بروز اسم جديد يعني بالضرورة أفول اسمه.

كما يعرف أن الإبداع ليس سوقًا مغلقة، وأن الجمال لا يُقتسم كما تُقتسم الغنائم.

وأنا شخصيًا، حين أقرأ نصًا شعريًا مميزًا لشاعر أو شاعرة، أشعر بمتعة حقيقية، وقد أعود إلى النص مرة ومرات، كما لو أنني أمتلك شيئًا ثمينًا أو سلعة غالية لا أريد أن أفقدها. لا أشعر أن جمال النص ينتقص من تجربتي، بل أشعر أنني أغنى به.

وهذه ربما إحدى أجمل خصائص الثقافة: أن نستطيع أن نمتلك جمال الآخرين من دون أن نمتلكهم، وأن نفرح بما أبدعوه من دون أن نشعر أننا خسرنا شيئًا.

فالقصيدة الجميلة على سبيل المثال لا تصبح أقل جمالًا لأن شاعرًا آخر كتب قصيدة جميلة أيضًا، والكتاب الجيد لا ينتقص من قيمة كتاب آخر، والترجمة المتقنة لا تلغي ترجمة أخرى. إنما تتسع الحياة الثقافية كلما اتسعت مساحة الجمال فيها.

ثم إن الإبداع الأدبي ليس شيئًا يمكن شراؤه بالمال. إنه مزيج معقد من الموهبة والصقل والتجربة واللغة والأسلوب والقراءة والرؤية والحساسية تجاه العالم. وقد يمتلك الإنسان المال والشهرة والعلاقات، لكنه لا يستطيع أن يشتري بالمال موهبة حقيقية، ولا أن يشتري أسلوبًا خاصًا، ولا أن يستعير روحًا مبدعة.

ولهذا فإن محاولة الوصول إلى ما عند الآخر عن طريق الحسد هي محاولة خاسرة من البداية. فالذي يحسد الآخر على ابداع أدبي أو فني لا يستطيع أن يأخذ منه، ولا يستطيع أن يسرق سنوات القراءة والخبرة التي صنعت ذلك الأسلوب.

الأجدى إذن أن يسأل الإنسان نفسه: ما الذي أملكه أنا؟ وما الذي أستطيع أن أصقله؟ وما المساحة التي يمكن أن أترك فيها بصمتي الخاصة؟

فنحن، في نهاية الأمر، لسنا نسخًا متطابقة.

كل إنسان لديه أشياء لا يملكها الآخر، ويفتقد أشياء يمتلكها غيره. هذه هي طبيعة الحياة نفسها. لا يوجد إنسان كامل يمتلك كل المواهب وكل الفرص وكل الصفات، كما لا يوجد إنسان محروم من كل شيء.

قد يكون أحدهم بارعًا في الشعر، وآخر في السرد أو الترجمة، وثالث في البحث، ورابع في النقد، وقد يمتلك شخص حساسية لغوية لا يمتلكها غيره، بينما يمتلك آخر قدرة مميزة على التحليل أو التواصل والاعلام.

فلماذا نحسد بعضنا بعضًا على ما لدينا وما ليس لدينا، بدل أن ننظر إلى الصورة الأوسع؟

ربما لأننا أحيانًا ننسى أن الاختلاف ليس نقصًا، وأن امتلاك الآخر لشيء جميل لا يعني أننا فقدنا شيئًا من ذواتنا.

إن النفس المصقولة بالمعرفة الحقيقية، والمُهذبة بالقراءة والتجربة والوعي، تصبح أكثر قدرة على رؤية الجمال خارج حدود الذات. وكلما اتسعت معرفة الإنسان، اتسعت معها قدرته على الإعجاب، وكلما اتسعت روحه، أصبح نجاح الآخرين أقل تهديدًا له.

ولذلك فإنني أرى أن المعركة الحقيقية للمبدع ليست مع المبدعين من حوله، وإنما مع نسخته السابقة من نفسه.

أن يكون اليوم أفضل مما كان عليه بالأمس.

أن يكتب نصًا أجمل. أن يترجم بوعي أكبر. أن يقرأ أكثر. أن يصغي إلى العالم بصورة أعمق. وأن يترك وراءه أثرًا يستحق أن يُقرأ.

عندها يصبح الآخر شريكًا في إثراء المشهد، لا خصمًا يجب إسقاطه.

فإذا كان في نفوسنا نور، فلن نحتاج إلى إطفاء نور الآخرين.

وإذا كانت فينا إيجابية حقيقية، فسوف نستطيع أن نقول للآخر: أبدعت، من غير أن نشعر بأن هذه الكلمة انتزعت منا شيئًا.

وهنا، ربما، يكمن الفرق بين من يبحث عن مكان في المشهد الثقافي ومن يصنع قيمة حقيقية داخله.

الأول قد ينشغل بمن سبقه ومن يليه ومن ينافسه، أما الثاني فينشغل بما يستطيع أن يضيفه.

وفي عالم الأدب والثقافة، لا أظن أن هناك ثروة أجمل من أن نرى نصًا جميلًا، فنفرح به، ونعود إليه مرة بعد مرة، ونشعر أننا، بطريقة ما، أصبحنا أكثر غنى لا أن يجعلنا أفقر.

صحيح ان في الحياة الثقافية، كما في غيرها من مجالات الحياة، يوجد التنافس. والتنافس في ذاته ليس أمرًا سلبيًا؛ بل قد يكون حافزًا على الاجتهاد والتطور، ويدفع الكاتب إلى تحسين أدواته، والمترجم إلى صقل لغته، والباحث إلى تعميق بحثه، والمبدع إلى تقديم الأفضل.

لكن المشكلة تبدأ حين يتحول التنافس من سؤال:

"كيف أطور نفسي؟" إلى سؤال آخر: "كيف أمنع الآخر من التقدم؟".

وهنا تظهر مشاعر الحسد والغيرة، وقد تتخفى أحيانًا وراء عبارات تبدو بريئة: التقليل من قيمة إنجاز، التشكيك في استحقاق صاحبه، السخرية من نجاحه، البحث عن عيوبه، أو التعامل مع ظهوره وكأنه تهديد شخصي.

وقد يكون أكثر ما يلفت النظر أن هذه المشاعر لا تظهر دائمًا بصورة مباشرة. فقلما يقول شخص لآخر: «أنا أحسدك». بل قد يظهر الحسد في صورة نقد مبالغ فيه، أو تعليق ساخر، أو تجاهل متعمد، أو محاولة التقليل من شأن الإنجاز.

وقد يظهر أيضًا في التحالفات الصغيرة والإقصاء، حين يحاول بعض الأشخاص احتكار المشهد الثقافي، أو إغلاق الأبواب أمام أسماء جديدة خوفًا من أن تنافسهم.

ومن أخطر مظاهره أن يتحول الأمر إلى إشاعة أو تشويه متعمد للسمعة.

لكن لابد ان هناك طرق الوقاية من هذا الداء العضال قد تبدأ ببناء علاقة صحية مع الذات.

أن أعرف أن قيمة تجربتي لا تتوقف على عدد نتاجاتي، أو عدد الكتب التي أترجمها، أو عدد الدعوات التي أتلقاها، أو الجوائز التي أحصل عليها.

وأن المجال الثقافي ليس بالضرورة لعبةً يفوز فيها شخص ويخسر الآخر. يمكن أن ينجح أكثر من كاتب، وأكثر من مترجم، وأكثر من باحث، وأن يضيف كل واحد منهم شيئًا مختلفًا إلى المشهد.

وأن أفهم أن المشهد الثقافي أوسع من أن يكون منصة يتنافس عليها الجميع على مكان واحد.

والتربية في بيئاتنا الثقافية على ثقافة التشجيع والاعتراف بالفضل شيء جميل و ايجابي وعلامة صحية على صدق و صفاء المثقف.

أن نقول للكاتب: «أحسنت «وللمترجم: «ترجمتك جميلة «وللباحث: «بحثك مهم. «وللمبدع الجديد: «استمر. «

هذه الكلمات البسيطة لا تنتقص من مكانتنا، بل تجعل البيئة التي نعمل فيها أكثر إنسانية.

في النهاية، الحسد يستهلك صاحبه، والغيرة قد تعميه عن طريقه، أما الغبطة فتدله على الطريق.

ولعل أجمل ما يمكن أن نفعله في الأوساط الأدبية والثقافية هو أن نتعلم كيف نفرح للآخر دون أن نتخلى عن طموحنا، وكيف نختلف معه دون أن نلغيه، وكيف ننافسه دون أن نتمنى سقوطه.

فالمشهد الثقافي لا يصبح أكثر إشراقًا عندما ينطفئ نور الآخرين، وإنما عندما تتعدد فيه الأنوار.

 


مشاهدات 89
الكاتب سوران محمد
أضيف 2026/09/05 - 2:54 AM
آخر تحديث 2026/09/05 - 6:33 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 476 الشهر 7161 الكلي 16539681
الوقت الآن
السبت 2026/9/5 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير