الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
الواقع الذي ينفذ من وراء الغيب.. ‏الموت الرحيم بين التشريع والتحريم

بواسطة azzaman

الواقع الذي ينفذ من وراء الغيب.. ‏الموت الرحيم بين التشريع والتحريم

همام الشريفي

 

مقدمة:

‏لقد أيقظت الحرب العالمية الثانية في الفكر البشري رؤى جديدة لحماية حقوق الإنسان منذ لحظة ولادته وحتى محطة الموت ضمن «إعلان حقوق الإنسان» في 10 كانون الاول1948، وعلى هذا الأساس تم طرح موضوع رعاية «ذوي الاحتياجات الخاصة» والتي يعرفها البعض «بذوي الهمم» وهذا الاسم الأخير يليق كثيرا بمنزلة الإنسان وكرامته. ضمن الفقرات القانونية «للحقوق الفردية»، ركز هذا الإعلان على محورين أولهما ضمان حق الحياة والحرية والأمان الشخصي وثانيهما منع الاستعباد والتعذيب والاعتقال العشوائي.

حتمية الحدث

‏لقد تعلم الإنسان عبر العصور أن الحياة لا تقدم فرص متكافئة لكافة البشر.  كذلك فأن استجابة الفرد للتحديات الحياتية متباينة بسبب اختلاف الأعراق والأنساب والسلاسل الجينية وشروط المحيط البيئي والضغوط الاجتماعية والعقلية والنفسية وتقاليد الزواج بين الاقارب او أنماط الارتباط بين الجنسين والوعي الصحي العام ونماذج العمل البدني والذهني.  هذه العوامل وغيرها تعرض كل إنسان وفي مرحلة معينة من مراحل حياته إلى حتمية القصور في وظائف الجسم البشري الذي يصل إلى مستوى العوق.  لتقريب المعنى هناك أفراد يتمتعون بصحة جيدة للغاية وقد يداهمهم مرض السرطان في غفلة من الزمن وفي مرحلة مبكرة من العمر بسبب الاستعداد الجيني او قلة المناعة الشخصية او تعرضهم لمسرطنات ضمن الطعام او الهواء او الإشعاع المتواصل.  مثال آخر لافراد يتعرضون إلى حوادث في العمل او أثناء استخدام وسائط النقل او بسبب النزاعات المسلحة بما يفقدهم جزء كبير من وظائف الجسم ويدخلهم ضمن تعريف»ذوي الهمم». في مثل هذه الحالات وغيرها يمر الإنسان بسلسلة طويلة من الآلام والمعاناة والتي يقف الطب الحديث عاجزا أمامها.  نعم، إنها تحدث «مرة واحدة» فقط في رحلة العمر ولكنها قد تكون هي «الضربة الوحيدة» القاضية على مستوى رحلة العمر.

البدايات التاريخية

في عام 1870 دعى مدرس الثانوبة البريطاني ساموويل ويليَمز إلى فكرة استعمال أنواع العقاقير المخدرة لإنهاء حياة الذين لا أمل لهم في انتهاء آلامهم المزمنة والمتصاعدة مع تقدم سنهم وتدهور صحتهم المستمر، بينما بدأت في منتصف ثلاثينات القرن الماضي اول حملة مجتمعية وسياسية في بريطانيا يقودها الطبيب چالرليس ميلارد لإجازة «الموت الرحيم» في البرلمان البريطاني.  ويشار إلى ان «جمعية الموت الرحيم الأمريكية» قد تأسست عام 1938 وكانت تضم حينها رجال دين وعلماء ومفكرين لغرض تبني هذا التشريع في الكونغرس الأمريكي.

جماعات الضغط

لقد مارست منظمات المجتمع المدني حول العالم ضغطا كبيرا على السلطات التشريعية في دولها.  وقد رافق ذلك مساندة من الإعلام وشهادات ادلى بها برلمانيون لحالات متعددة حول العالم. هناك ثلاث حالات تم تسليط الضوء عليها بشكل مركز من قبل الإعلام العالمي. الأولى عام 1975 في ولاية نيوجرسي الأمريكية لفتاة دخلت مرحلة «الحياة النباتية» حسب التعريف الطبي حيث طالب ذويها بايقاف اجهزة الانعاش، والثانية عام 1990 في ولاية فلوريدا الأمريكية لفتاة عانت من ذبحة صدرية أدت إلى تحول الدماغ إلى وضعية «الحياة النباتية» وكانت هناك دعوات مشابهة بايقاف اجهزة التنفس الاصطناعي، والثالثة عام 1995 لفتاة في إيطاليا تعرضت لحادث سيارة  ادخلها في غيبوبة طويلة استمرّت 17 عاما متواصلة . هذه الأمثلة نالت حصتها من الاهتمام في الإعلام ولكن في الحقيقة هناك أعداد لا تحصى من حالات مشابهة ولكنها لا تحظى بنفس الاهتمام.  على مستوى العالم، تتخذ الكوادر الطبية والتمريضية قرارات اخلاقية يومية تتعلق بإعطاء الأولوية في العلاج لفئات عمرية معينة او بوقف العلاج عن حالات مرضية محددة او توصيف العقاقير المناسبة لنهاية حياة المريض، طبقا لمجموعة من البروتوكلات المتبعة في المؤسسات الصحية والتقييم النوعي لحياة وكرامة المريض والرؤى المتبادلة مع ذوي المريض

تشريع الموت الرحيم

لحد هذا التاريخ هناك عشر دول حول العالم قد اجازت «الموت الرحيم» للأفراد الذين يدخلون مرحلة «الحياة النباتية» بدون وجود امل للتحسن، او لا تستطيع العقاقير الطبية المتوفرة او التداخلات الجراحية إيقاف او تخفيف آلامهم مع تدهور مستمر في حالتهم الصحية.  تعتبر دولة هولندا اول دولة شرعت هذا القانون المشروط عام 2001 والذي تم تطبيقه عام 2002 .  اعقبت هولندا في هذا التشريع دول أخرى وهي بلجيكا ولوكسمبورغ وكندا وإسبانيا وكولومبيا ونيوزلندا وأستراليا وإكوادور وسويسرا.  من المفيد ان نذكر بأن البرلمان البريطاني قد فشل في تمرير هذا القرار بسبب اعتراضات جاءت من قانونيين وقضاة ومحامين تحذر من مساحة الحرية التي يمنحها للفريق الطبي لاتخاذ هكذا قرارات مع دخول «شركات التامين على الحياة» على خط النقاش والمداولة.

موقف الأديان الرئيسية

ليس هناك دين من الأديان الرئيسية يسمح بانهاء حياة مريض بقرار طبي لأنها جميعا تحترم حياة الإنسان «كقيمة عليا» كونها «هبة مقدسة» ممنوحة من قبل الخالق. مقابل هذا الموقف هناك طائفة واحدة تؤمن بخيار «إنهاء الحياة» وهي طائفة «التوحيدية الشاملة» او «الكونية التوحيدية». نشأت هذه الطائفة كمجتمع ليبرالي عام 1961 نتيجة اندماج المسيحيين الذين لا يؤمنون بالتثليث (كنيسة الموحدين) مع المسيحيين الذين يؤمنون بخلاص كل البشر (كنيسة الخلاصيين)، وهي تسعى إلى حرية البحث عن القيم الأخلاقية والعدالة الاجتماعية.

المسائل المستحدثة

من المؤكد ان المدارس الفقهية للديانة الإسلامية تواجه تحديات كثيرة لرسم ملامح العدالة الاجتماعية في الحياة المعاصرة.  هناك العديد من الأسئلة التي تحتاج إلى اجابات واضحة ومنها حكم التشهير على وسائل التواصل الاجتماعي، وشرعية الأم المستأجرة لاغراض الحمل والولادة، وشرعية مناقلة الأعضاء البشرية والحيوانيّة للأغراض الطبية، وحقوق كل من الوالدين في تربية الأطفال بعد الطلاق او الانفصال، وحكم المفاضلة بين الجنسين في موضوع التوريث، وتقييد شروط تعدد الزوجات، والمسؤولية القانونية لذوي الإعاقة العقلية امام المجتمع خصوصا في حالات القتل، والمخاطر الطبية المرافقة لزواج الاقارب، وتعريف مساحة الأخلاق ضمن ضوابط الشريعة وخارجها، وشرعية استيفاء الفوائد من قبل المصارف الممولة للإسكان،  وغيرها من المسائل المستحدثة.  اعتقد ان فتح موضوع «الموت الرحيم» وتقييده بقوانين استيفاء العدالة السماوية والرحمة الإلهية اصبح ضرورة ملحة لوضعه في مناهج هذه المدارس

لقد قالها سيد البلاغة الامام علي بن أبي طالب قبل 1400 عاما (شر من الموت ما إذا نزل بك تمنيت معه الموت)

هذا النداء صادر عن إنسان عبقري سبق عصره وزمانه وهو يصف «واقعاً ينفذ من وراء الغيب»، وبذلك فهو يستحق آذانا صاغية وعقولاً واعية.


مشاهدات 74
الكاتب همام الشريفي
أضيف 2026/08/24 - 4:11 PM
آخر تحديث 2026/08/25 - 1:24 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 101 الشهر 31161 الكلي 16120865
الوقت الآن
الثلاثاء 2026/8/25 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير