طعنة جساس
ياسر الوزني
يروق لبعضهم أن يسمّي المنصب لعبة شدّ الحبل، في ظنٍ واهم أن القوة هي المسار المنطقي للحفاظ على الكرسي، متناسين أنها لا تصنع القامات، ولا تمنح الكرسي معناه، بل أن آخرين يعتقدون أنه (المنصب) ساحة حرب كما هي البسوس حين أوقد فتيلها بطعنة غادرة جسّاس بن مُرّة الشيباني وقتل كُليب بن ربيعة التغلبي فكانت الشرارة المباشرة لأشهر حرب من حروب العرب في الجاهلية، لعل أسوأ عادة يمارسها ربان الكرسي هي البيروقراطية خارج أسوار المنطق، وأستخدام القانون منفصلًا عن العدالة. وحينئذٍ فإنه يمارس سلطة تبحث عن المخالفة لا عن الحلول ويؤسس من دون وعي بيئةً معاديةً تخالف قواعد الأداء وتحرض على الفوضى وتساهم في تفريخ كيانات مأزومة بأنانيتها تستثمر هوس المدير وخوفه من فلان وعلان.تلك هي شخصيات قميئة تقتحم حياته الوظيفية فتجعله أسيراً لمنهجية تصادمية مع أشخاص نزهاء يعتقد المأزوم أنهم حجر عثرة في طريق أهدافه السيئة وغاياته المريبة، موظف يحلو للبعض أن يسميه (الغراب)، يرتجف من تفوق أقرانه، بارع في الوشاية ونقل الأحداث مجتزأةً إلى صاحب القرار بما لا علاقة له بحسن النوايا ولا بتطوير الأداء.إستحضرْ أن الجلوس على الكرسي لا يدوم وسوف يخيب ظنك حين تجد الذين أغدقوا عليك عبارات المجاملة سيتخلون عنك لمجرد خلاف عابر أو عندما تنسحب بإرادة خالصة أو تحت وطأة مغادرة قسرية. ربما أفضل نصيحة تسمعها قبل مغادرة الموقع أن تقول: شكراً للذين اهتموا بالدوام الرسمي، شكراً للمستيقظين والصادقين، وبؤساً للمنافقين فليس للكرسي أصدقاء إلا من تسلح بخبرة عريضة ووعي كبير وبخلاف ذلك، فإنك في معركة شرسة مكسبها الوحيد أن تكثر مخاوفك ويتقلص عمرك وستجد اختلافًا في قناعات الآخرين عنك وكأنها ظل زاوية الرؤية من مؤخرة القطار، وهي حتمًا ليست كزاوية الرؤية من مقعد في المقدمة.لا تُلصق جسدك بظلم الكرسي، فيصيبك غدره دوًن أن تعلم، أنها طعنةً كطعنة جساس.