الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
بين عابر سبيل ووطنٍ لم يكتمل.. ‏جواب إلى السيدة أحلام مستغانمي


بين عابر سبيل ووطنٍ لم يكتمل.. ‏جواب إلى السيدة أحلام مستغانمي

إبراهيم المحجوب

 

‏قرأتُ هذه الكلمات المنسوبة إلى رواية عابر سبيل للسيدة أحلام مستغانمي، فوجدتني أمام وجعٍ لا يحتاج إلى كثير من الشرح؛ لأن بعض الحكايات لا تنتهي حين يفترق العاشقان، بل تبدأ حقيقتها بعد الفراق، عندما يعود كل واحد منهما إلى نفسه، فيسأل: ماذا كنتُ في حياة الآخر؟ وهل كنتُ حباً حقيقياً، أم مجرد محطة عابرة في طريق طويل؟

‏تقولين إن مأساة العشاق ليست في اللقاء ولا في الفراق، وإنما في تلك المنطقة الرمادية التي لا يستطيع فيها الإنسان أن يبقى ولا يملك شجاعة الرحيل. وأنا أرى أن أقسى ما في هذه المنطقة أن يعيش الإنسان نصف حياة؛ نصفه متعلق بما كان، ونصفه خائف مما سيكون. يفتح باب الرحيل، ثم يعود إلى إغلاقه، ليس لأنه سعيد بالبقاء، بل لأنه لم يتعلم بعد كيف يدفن أملاً كان ذات يوم أجمل ما يملك.

‏‏وأحياناً لا يكون الوجع في أن نكتشف أننا فقدنا من أحببنا، بل في أن نكتشف أننا كنا نحب صورة صنعناها نحن لذلك الإنسان. منحناه من أرواحنا ما لم يكن يطلبه، وبنينا له في قلوبنا بيتاً، ثم اكتشفنا أنه لم يكن ينوي الإقامة فيه.

‏‏وهنا أتوقف عند عبارة العبور؛ فالإنسان قد يكون عابراً في حياة إنسان آخر دون أن يعلم، وقد يكون الآخر بالنسبة إليه وطناً كاملاً. وهذه هي قسوة المشاعر: أن تمنح شخصاً عنوان قلبك، بينما يضع هو اسمك في قائمة المسافرين.

‏‏لكنني لا أعتقد أن كل حب ينتهي بالفراق يكون حباً خاسراً. هناك علاقات لا تكتمل، لكنها تعلمنا كيف نعرف أنفسنا. وهناك أشخاص يرحلون، لكنهم يتركون فينا درساً لا يرحل. وربما يكون بعض الحب قد جاء إلى حياتنا لا ليبقى، وإنما ليغيرنا ثم يمضي.

‏‏نحن بالفعل لا نشفى تماماً من ذاكرتنا، فالذاكرة ليست جرحاً نضع عليه ضماداً وننتظر زواله. إنها جزء من تكويننا؛ فيها ضحكة قديمة، وصوت لم نعد نسمعه، ووجه غاب، وشارع مررنا به ذات مساء، ورسالة احتفظنا بها رغم أننا لم نعد نملك الجرأة على قراءتها.

‏‏لكن الإنسان يتعلم مع الزمن أن يعيش مع ذاكرته دون أن يجعلها سجناً. يتعلم أن يبتسم رغم الحطام، لا لأنه نسي، وإنما لأنه أدرك أن الحياة لا تتوقف عند الذين اختاروا الرحيل.

‏‏أما قولك إن الحب ليس فقط ما حدث بيننا، بل ما كان يمكن أن يحدث ولم يحدث، فأراه من أكثر وجوه الحب وجعاً. فالأشياء التي لم تحدث لا تمنحنا فرصة التأكد من نهايتها؛ ولذلك تبقى معلقة في الخيال. قد نتساءل سنوات: ماذا لو بقينا؟ ماذا لو قلنا الحقيقة في وقتها؟ ماذا لو منحنا بعضنا فرصة أخرى؟ وماذا لو لم يكن الفراق هو الحل؟

‏‏إن "ماذا لو" هي المقبرة الأوسع للأحلام المؤجلة.

‏‏وقد يمر العمر، وتكبر بنا السنوات، ونكتشف أن بعض الأشخاص لم يكونوا يستحقون كل ذلك الانتظار، وأن بعض الأبواب التي بكينا أمامها كانت مغلقة لحمايتنا لا لعقابنا. عندها فقط نفهم أن الرحيل أحياناً ليس خسارة، وإنما نجاة متأخرة.

‏‏يا سيدتي...

‏‏ليس مؤلماً أن تكون عابر سبيل في حياة أحدهم، فكلنا عابرون في حياة بعضنا بدرجات مختلفة. المؤلم أن تمنح شخصاً قلبك على أنه وطن، ثم تكتشف أنه كان يبحث فيك عن محطة يستريح فيها قبل أن يكمل رحلته.

‏‏ومع ذلك، لا ينبغي لنا أن نندم على قلبٍ أحب بصدق. فالخسارة الحقيقية ليست أن تحب الإنسان الخطأ، وإنما أن تفقد قدرتك على الحب بسبب إنسان لم يعرف قيمة ما منحته إياه.

‏‏لقد تعلمنا أن الحب لا يُقاس دائماً بعدد السنوات التي قضيناها معاً، وإنما بالأثر الذي تركه كل منا في الآخر. قد يعيش شخص معك عشرين عاماً ولا يعرف قلبك، وقد يمر آخر في حياتك أياماً قليلة ويترك خلفه حكاية لا تنتهي.

‏‏لكنني أختلف مع الحزن حين يحاول إقناعنا بأن الماضي هو أجمل ما في الحياة. ليس بالضرورة أن يكون أجمل ما عشناه هو ما مضى؛ ربما يكون الأجمل هو ما لم نعشه بعد.

‏‏لذلك، حين نرحل، علينا ألا نأخذ معنا كل أبواب المستقبل ونغلقها بسبب باب واحد أُغلق في وجوهنا. الحياة أكبر من قصة حب واحدة، والإنسان أكبر من خيبة واحدة، والقلب الذي انكسر مرة قادر على أن يتعلم كيف يحب نفسه أولاً.

‏‏فلنترك للذاكرة مكانها، ولكن لا نجعلها حاكمة على حاضرنا.

‏‏ولنحترم الذين أحببناهم، حتى وإن خذلونا، لأنهم كانوا ذات يوم جزءاً من أحلامنا.

‏‏ولنغفر لأنفسنا قبل أن نغفر لهم؛ لأننا كثيراً ما نعاقب أنفسنا على أخطاء لم نرتكبها، وعلى نهايات لم تكن بأيدينا.

‏‏وفي النهاية...

‏‏قد نكون جميعاً عابري سبيل في حياة بعضنا، لكن هناك فرقاً بين من يعبر ويترك خلفه أثراً جميلاً، وبين من يعبر فوق القلب وكأنه لم يكن هناك إنسان.

‏أما أنا فأؤمن أن بعض الحكايات لا تنتهي بالفراق، بل تتحول إلى حكمة.

‏وبعض الوجوه لا تعود، لكنها تظل في الذاكرة.

‏وبعض الأحلام لا تتحقق، لكنها تعلمنا أن نحلم من جديد.

‏ولعل أجمل ما يستطيع الإنسان أن يفعله بعد الخيبة هو أن ينهض، يرتب قلبه، يمسح غبار الطريق عن روحه، ثم يقول للماضي بكل هدوء:

‏كنتُ أحبك... أما الآن، فقد تعلمتُ كيف أحب الحياة من دونك.

 


مشاهدات 32
الكاتب إبراهيم المحجوب
أضيف 2026/08/24 - 1:55 PM
آخر تحديث 2026/08/25 - 2:01 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 158 الشهر 31218 الكلي 16120922
الوقت الآن
الثلاثاء 2026/8/25 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير