صلاح القصب.. رحل وثمّة حوار باق: في مسرح الصورة لا أقدم إجابة جاهزة بل إحتمالات متعدّدة
عمان - مجيد السامرائي
عند الراحل صلاح القصب، لم تكن الصورة تأتي لتشرح النص، بل كانت تصبح لغة قائمة بذاتها؛ حركة الجسد جملة، والضوء دلالة، والفراغ ذاكرة، والموسيقى بنية درامية، والصمت أحيانًا أكثر بلاغة من الحوار. هذا الحوار النادر أجريته معه في أيلول عام 2010، في دار الأندى بمنطقة جبل اللويبدة في عمّان. كان القصب يومها يتحدث عن المسرح، لكنه سرعان ما كان يتجاوز حدوده إلى الرواية والفن التشكيلي والفلسفة والفيزياء ونظرية الكم، وكأنه يبحث عن منطقة جديدة لا تزال مجهولة بين الفن والعلم.
□ تجربتك المسرحية أصبحت علامة فارقة في المسرح العراقي والعربي. لكن قبل عام 1972، كيف كان صلاح القصب يفكر ويقرأ ويتشكل قبل أن يدخل عالم المسرح؟
-قبل عام 1972 كانت هناك مرحلة مهمة جدًا في تكويني. كنت أعيش الستينيات، وأعتقد أن الستينيات كانت بركانًا ثقافيًا عالميًا أحدث تغييرًا عميقًا في جيولوجيا الثقافة. كانت هناك تحولات في الفلسفة والشعر والرواية والموسيقى والفن التشكيلي؛ زلزال ثقافي هز القارات كلها وفتح أمام الإنسان مساحات جديدة للتفكير والقراءة والتأمل.كنت أميل كثيرًا إلى قراءة الرواية، وقرأت دوستويفسكي وتولستوي وجيمس جويس وغيرهم. كانت الرواية تمنحني نوعًا من الارتياح، لكنها في الوقت نفسه تفتح أمامي مسافة وفضاءً جديدين.
□ إذن الرواية كانت مدخلك الأول إلى اكتشاف العالم، وليس المسرح؟
-نعم. الرواية كانت حاضرة بقوة، وكان الفن التشكيلي يشدني أيضًا. وعندما دخلت المعهد لم أدخل وأنا أحمل رغبة حقيقية في أن أصبح مخرجًا مسرحيًا؛ كنت أريد أن أكون رسامًا.كنت أرى أن الرواية فن، والشعر فن، والفن التشكيلي عالم قائم بذاته. وكان الفن التشكيلي بالنسبة إليّ هو المسافة الجمالية الأبعد؛ تلك المسافة التي يبحث عنها الإنسان ولا يصل إليها بسهولة.
□ ومن الذي أحدث ذلك التحول فيك؟ من زلزل عالمك؟
-هناك شخص كان له أثر كبير جدًا في حياتي، هو حميد محمد جواد. لقد نقلني من واقعيتي ومن الحلم الجامد والساكن إلى فضاء آخر، وخلق بداخلي نوعًا من الزلزال والحركة والطاقة المتقدمة.كان قد جاء من موسكو، وكان يتحدث عن الإخراج وعن الصورة، وكان بالنسبة إليّ العرّاب الأول لمسرح الصورة.
□ وماذا أخذت تحديدًا من حميد محمد جواد؟
-أخذني من ضفة إلى ضفة أخرى. كان هناك حلم يسكنني، لكنه كان يحتاج إلى طاقة واستجابة حتى يتحول إلى فعل، وهو استطاع أن يوقظ هذه الطاقة داخلي.من خلال تجربته وعروضه جعلني أرى المسرح بطريقة مختلفة؛ لم يعد المسرح مجرد حكاية تُروى أو شخصيات تتحرك أمام الجمهور، وإنما أصبح فضاءً للصورة والطاقة والجمال والاشتغال على أعماق الإنسان.
□ وهنا بدأ الطريق الذي قادك لاحقًا إلى مشروعك في مسرح الصورة؟
-نعم. انتقلت من التفكير في المسرح بوصفه عرضًا إلى التفكير فيه بوصفه فضاءً بصريًا وجماليًا. كنت أؤمن بأن الحقائق التي ورثناها كثيرًا ما كانت مقلوبة، ولذلك فإن قلبها من جديد قد يكون هو الطريقة الصحيحة للتعامل معها.
□ تقول إن (الكتاب هو الذي يقرأك، ولست أنت الذي تقرأه)، وتقول أيضًا إن (المسرح هو الذي يتفرج عليك، ولست أنت الذي تتفرج عليه). ماذا تقصد؟
-العلاقة مع الفن ليست علاقة استهلاك فقط. عندما تقرأ كتابًا حقيقيًا، لا تكون أنت وحدك الذي يقرأ؛ الكتاب أيضًا يقرأك، يكشفك ويضعك أمام أسئلتك ومخاوفك وأحلامك.وكذلك المسرح. لا أريد أن يكون المتفرج مجرد شخص يجلس أمام خشبة المسرح ويتفرج على ما يحدث. أريده أن يشعر بأن المسرح ينظر إليه، وأن الصورة المسرحية تذهب إلى داخله وتعيد تشكيل أسئلته.
□ وهذا ربما يفسر لماذا أصبحت الصورة عندك أهم من الحكاية التقليدية؟
-الصورة ليست مجرد شكل؛ الصورة طاقة وذاكرة وحلم ومجال مفتوح للتأويل. أنا أبحث عن المنطقة التي لا تقدم للمتلقي إجابة جاهزة، وإنما تفتح أمامه احتمالات متعددة.المسرح بالنسبة إليّ ليس أن أقول للمتفرج ماذا يرى، بل أن أجعله يكتشف ما يراه داخله.
فضاء وصمت
□ إذا أردنا أن نختصر رحلتك كلها في جملة واحدة، ماذا تقول؟
-لم أذهب إلى المسرح وأنا أعرف ماذا أريد منه؛ المسرح هو الذي أخذني إليه وأعاد تشكيل رؤيتي للعالم. دخلته وأنا أريد أن أكون رسامًا، ثم اكتشفت أنني أستطيع أن أرسم بالصورة والجسد والضوء والفضاء والصمت.
□ هل أنت العرّاب الأخير لمسرح الصورة؟
-لست العرّاب الأخير؛ هناك حركة واستمرارية في مسرح الصورة. وأنا، رغم حصولي على جائزة أفضل مخرج في آسيا عن مسرح الصورة، أشعر أن هناك إضافات إلى الصورة، لكن بعض هذه الإضافات تبقى ضمن حلقة التكرار.أنا الآن أخلق لكي أتحرر من الصورة، حتى لا أتكرر. أخاف من التكرار، وكل مبدع يجب أن يراقب مسيرته ويسأل نفسه: هل هناك تقدم؟ هل هناك تطور في تجربتي؟
□ دعنا ننتقل إلى الزلازل التي شكلتك. من الرسامين الذين زلزلوا عالمك؟
ماتيس ومونيه. كانا مهمين جدًا بالنسبة إليّ. أما بيكاسو فلم يشغلني كثيرًا، ولم يثر انتباهي بالدرجة نفسها، رغم مكانته الكبيرة. وأشعر أحيانًا بنوع من الافتعال والصنع في تجربته، وربما أشعر بالأمر نفسه تجاه براك.وحتى سلفادور دالي، رغم مكانته الكبيرة، لم يكن من الفنانين الذين شكلوا عالمي بالطريقة نفسها.
— هناك من يرى أن المسرح يخضع للجانب السيكولوجي والاجتماعي. لكنك ترفض كثيرًا من هذه القراءات. لماذا؟
لا أتفق مع فكرة أن الفنون نتاج مباشر للسيكولوجيا أو البيئة. الفنان في كل عمل فني يخلق بيئة جديدة. في كل عمل هناك سيكولوجية جديدة، وإيديولوجية جديدة، وأخلاقية جديدة.لذلك لا أؤمن بأن المسرح أو السينما أو القصة أو الرواية لها مصدر واحد يمكن اختزاله في البيئة أو المجتمع أو السيكولوجيا.
— وماذا عن التحليل السيكولوجي في بناء الشخصيات والأحداث؟
حتى التحليل السيكولوجي والتاريخي لا يمكن أن يكون المفتاح الوحيد لقراءة العمل الفني. هناك أيضًا الديالكتيك، لكنني أبحث عن شيء آخر: الديالكتيك الفني.
— وما الديالكتيك الفني في تصورك؟
هو المتحوّل؛ هو الذي يقود إلى التراكم الكمي ثم إلى التحول النوعي.
— إلى أي مدرسة فنية حديثة ينتمي مسرح الصورة تشكيليًا؟
في السابق كانت لدي قناعة بأنه ينتمي إلى الرمزية والتعبيرية، وكان هناك تداخل بينهما. أما الآن فقد تغيرت قناعتي؛ أعتقد أن المسرح لا ينتمي إلى أي اتجاه من الاتجاهات المعروفة، وإنما ينتمي إلى اتجاه جديد؛ ينتمي إلى الفيزياء.لا أقصد الفيزياء بمعناها العلمي المباشر، وإنما أن يتحول المسرح إلى قراءة فيزيائية تقوم على دراسة قوة الموجة وقوة الطاقة.
— وهل نستطيع من خلال قوة الطاقة والموجة أن نصل إلى (مدينة الحلم) التي يبحث عنها العمل؟
أنا أؤمن أن لكل عمل فني مدينة، وليس هناك مدينة واحدة أو اتجاه واحد. في المسرح هناك اتجاه آخر: اتجاه الموجة واتجاه الطاقة، وهما الأساس الديناميكي المحرك للوصول إلى مدينة الحلم.كل عمل فني هو مدينة حلم. اشتغلت على عشرين عملًا مسرحيًا، وأشعر أن لدي عشرين مدينة، والآن أبحث في «ريتشارد الثالث» عن المدينة الحادية والعشرين.أنا أبحث عن كيفية صناعة هندسة جديدة، أو اكتشاف أرض جديدة، أو اكتشاف عالم جديد. وهذا هو المسرح الصعب.
— هل ترى أن المسرح أكثر تعقيدًا من الفنون الأخرى؟
المسرح عملية مركبة. الفن التشكيلي له قراءة بصرية، والرواية لها مسار القراءة، أما المسرح فلا بد أن تكون بعد القراءة قراءات متعددة.وهذا مرتبط بالطاقة والموجة. الطاقة لا تموت، وإنما تبقى مستمرة. لذلك فإن الأعمال العظيمة تظل طاقتها موجودة حتى الآن.حين أتذكر أعمال يوسف شاهين، مثلًا، لا أتذكر الأفلام وحدها، وإنما أتذكر الشحنة التي زرعها الفيلم في داخلي، في جسدي.
— لكن يوسف شاهين وصل إلى قمة الهرم، ماذا حدث بعد ذلك؟
وصل إلى القمة، لكنه بعد أن وصل إليها لم يستطع أن يذهب أبعد منها؛ كان عليه أن يهبط.
— وهل كانت أفلامه الأخيرة ضعيفة بسبب العوق السمعي؟
لا، ليس بسبب العوق السمعي. بيتهوفن كتب السيمفونية وهو يعاني من فقدان السمع. وأنا أيضًا أخرجت «مكبث» و«الخادمات» و«عطيل»، ولدي حاسة سمع ضعيفة.
— أبطالك يصرخون في المسرح. ما سر هذا الصراخ؟ وإذا كان شكسبير قلعة، فهل أنت الذي فتحت هذه القلعة؟
أول عمل لي مع شكسبير كان «حملة شكسبير». قرأت شكسبير في البداية قراءة مدرسية، ثم جاء الدكتور جميل الصيفي وقدم شكسبير بطريقة أخرى، وطلب مني أن أكتب بحثًا عن (عطيل).كنت أريد أن أقتحم عالم شكسبير، عالم الموت والوجود والسوداوية والخوف. شكسبير كان بالنسبة إليّ سؤالًا: هل أستطيع أن أقتحم هذا العالم؟
— أنت اقتحمت (هاملت) عام 1982. ماذا أعطتك التجربة؟
بعد هاملت شعرت أنني امتلكت جواز سفر يسمح لي بالدخول إلى عالم شكسبير. كانت أول خارطة أمتلكها، ومن خلالها دخلت إلى عالم آخر؛ إلى حلم آخر، إلى قلعة مفتوحة ومغلقة في الوقت نفسه، سهلة الدخول وصعبة الدخول.
— وماذا عن «ريتشارد الثالث»؟ ماذا كنت تريد أن تفعل فيه؟
كنت أريد أن أشتغل على قلعة جديدة؛ قلعة أربيل. كنت أتعامل مع ريتشارد بوصفه عالمين: عالم الوحش والدمار والموت والقتل، وعالم الإنسان الذي يراقب هذه الذات المغلقة.ليس المقصود بالفصام هنا التحليل السيكولوجي وحده، وإنما وجود عالمين داخل الإنسان.
— لكن قبل ريتشارد كان هناك «جلجامش». كيف كان جلجامش بالنسبة إليك؟
جلجامش كان عالم الموت والقتل والفصام. إنكيدو وجلجامش كانا روحين.لكن جلجامش لم يكن يبحث عن الخلود فقط، بل كان يبحث عن الفعل الاستمراري للحياة؛ عن الطاقة التي يستطيع الإنسان من خلالها أن يستمر.السؤال هو: هل الإنسان يستمر أم يتوقف؟
— ومتى تتوقف أنت؟
أنا وراء رامبو. كنت أقول إن «ريتشارد الثالث» هو آخر عمل لي مع كاتب، ثم يأتي الشاعر خزعل الماجدي ورامبو.أعتقد أنني وصلت إلى قمة الهرم، ووصلت إلى نهاية الطاقة، ويجب أن أتوقف عند نهاية الطاقة الفنية والفيزيائية. من الناحية البيولوجية لا يمكن أن تستمر في التفكير بالقوة نفسها بعد الستين.أنا لا أريد أن أستمر لمجرد الاستمرار.
— لكن بيكاسو قال: «أنا طفل في التسعين»، وكان ينتج في التسعين.
هذه فلسفتي الخاصة. أعتقد أنني إذا استمريت بعد هذه المرحلة فإن البناء عندي يبدأ بالتلاشي، ثم بالضعف، ثم بالتهدم والتآكل.أنا أريد أن أتوقف في هذا الأوج، في هذا الإشراق. حتى الطاقة، إذا أطلقتها تستمر، لكنها بعد مسافة معينة تبدأ بالضعف.لا أريد أن أكون كالكرة؛ أريد أن أكون ذلك الألق: الألق الجمالي، والألق الفكري، والألق الإنساني.
— وأنت تقول إن «ريتشارد الثالث» سيقودك إلى المدينة الحادية والعشرين. ما المدينة الأولى التي لامست ولادتك؟
ولدت في منطقة شعبية جميلة. ورغم أنها محلة شعبية، فإنها أنجبت كبار الشعراء والمفكرين والسياسيين.أزقتها وأبنيتها الواطئة وباب الشيخ القريب منها والناس الطيبون فيها، كل ذلك كان جزءًا من تكويني. كنت أراها بشكل مختلف.كنت أرى عماراتها وأزقتها وكأنني أرى العصر الباروكي فيها، وأرى العلاقات الإنسانية والفكر الموجود في تلك البيئة.ولهذا أفكر في أن أبني مدينة جديدة لهذه المدن، لهذا المكان الذي ولدت فيه، وأن أعيد بناء المكان من جديد ضمن طرازيته.
— وما معنى «الشرف» الذي تحدثت عنه في وصفك لذلك المكان؟
أن أمتلك الجمال. الجمال هو قمة الشرف؛ لأن الوصول إلى الجمال هو وصول إلى الطهارة.
— لكن المسرح يعالج الدنس أيضًا.
المسرح أبعد من الموعظات. المسرح عالم؛ أن تكشف عالم الصدع، عالم اللحظة، وعالم الاستمرار، ومن خلال هذا العالم يحدث التغيير، ويصبح هناك عمل فني.
— هل ما زال شكسبير في نظرك قلعة؟
نعم. عندما تتصور القلعة تتصور بنية صخرية، وداخلها حكايات وصراعات ووهم وانغلاق. لكن قلعة شكسبير مختلفة.في داخلها الغيلان والشياطين والعوالم المخيفة، وفي الوقت نفسه الأشجار والورود والشعراء والفنانون. كل العالم الإنساني الكبير موجود داخل هذه القلعة، ولكن بصعوبة تدخل إليها.
— وما الذي يسمح لك بالدخول إلى هذه القلعة؟
عظمتك ومخيلتك.
— وهل بينك وبين شكسبير صداقة؟
طبعًا، صداقة وخصام في الوقت نفسه.
— وأين الخصام؟
في التكرار.
— وهل لهذا سعيت في أعمالك إلى إلغاء الحوار؟
التكرار موجود في الحوار وفي البنية الأدبية وفي بعض الأعمال؛ ولهذا سعيت إلى إلغاء الحوار.
— وماذا يعني الحوار عند شكسبير؟
الحوار عند شكسبير لغة بصرية.
— هل أنت منذور لمقاتلة الكلاسيكية؟
لا. الكلاسيكية بالنسبة إليّ هي المدينة الأصعب، صعبة الوصول، وهي قمة التجريد وقمة الحداثة.نحن ما زلنا لم نفهمها بشكل كامل. هناك منطقة مجهولة في الكلاسيكية لم نكتشفها بعد.
— وهل ترى أن المعلقات والشعر الجاهلي يمثلان الشكل الكلاسيكي الذي تحدث عنه النقاد؟
لا. حتى المعلقات فيها فضاء واسع لم نكتشفه. هناك قراءات متعددة يمكن أن تُفتح أمامها، لكن العقل النقدي لم يصل حتى الآن إلى معنى عميق ونهائي لمفهوم الكلاسيكية.
الكلاسيكية بالنسبة إليّ قارة بعيدة، فضاء بعيد، نجم بعيد، كوكب بعيد. ما هي؟ أين علامتها؟ وهل كان لها وجود عند الأجيال القديمة؟أعتقد أن الأهرامات قمة من قمم الكلاسيكية، وجلجامش أيضًا قمة لأنه اخترق الزمن.
— إلى أي زمان تنتمي أنت؟ هل أنت من أهل الفضاء؟
أعتقد أنني ما بين الفضاء. معلّق، معلق أنا.
— هل أنت أرضي أم سماوي؟
أنا بين الأرض وبين الفضاء.
— والفضاء السماوي؟
ليس بمعنى روحي، وإنما بمعنى الأبعد.
— وتوجهك نحو الصورة، هل هو هروب؟
نعم، ربما يكون هروبًا من أجل الوصول.أنا «فيزياء بصر». لكن المرئي أيضًا فيزياء. حتى الوهم الداخلي والتفكير فيهما فيزياء.
— إذن، هل أنت فيزيائي أم كيميائي؟
أنا فيزياء.كل حياتي اليومية فيزياء، وكلها طاقة. حياتك اليومية كلها طاقة وفيزياء، ونحن داخل هذا العالم الفيزيائي. ولهذا يجب أن نحول الفنون، بل يجب أن نحول كل شيء إلى الفيزياء، وإلا تموت الفنون، وإلا نكرر أنفسنا.
— لكن المفارقة أنك كنت ضعيفًا في الفيزياء؟
صحيح. درست الفيزياء في المتوسطة والإعدادية، لكنني لم أكن متخصصًا فيها. أما الآن فقد دخلت في دراسات نظرية الكم، وبدأت أدرس النظرية الكمية.كل شيء في يومياتك، في كل حركة، في استيقاظك ونومك، في كل فعل تقوم به، هو طاقة. أي منجز، أي قصيدة، أي عمل فني، هو طاقة فيزيائية ومعادلة.
— وكيف انتقلت من الدراسات الأدبية إلى الفيزياء والكيمياء ونظرية الكم؟
أنا درست الدراسات الأدبية وتخرجت في الفرع الأدبي، لكن الدراسات الأكاديمية لم تكن كافية بالنسبة إليّ. وجدت أن كثيرًا من المناهج مكررة، وأن الطاقة العلمية الموجودة لدى الإنسان يجري تحنيطها.كنت أسأل: أين الفيزياء في دراسة الجغرافيا؟ أين الفيزياء في دراسة اللغة العربية؟ خذ امرأ القيس مثلًا: أين الحركة الفيزيائية في شعره؟ وانظر إلى مظفر النواب: أين قوة الشعر؟ كيف تتحرك هذه الصور وهذه اللغة؟الشعراء العظام يقودونك إلى حركة. وحين تدخل إلى هذه الحركة لا تستطيع أن تبقى كما أنت؛ كأنك تدخل إلى الكهرباء، فتتكهرب، ولا تستطيع أن تتحرك بالطريقة القديمة.لهذا أقرأ مظفر النواب وسامي مهدي وسعدي يوسف والبياتي والجواهري والسياب ونازك الملائكة من هذا المنظور.
— والجواهري أيضًا؟
الجواهري بالتأكيد. والسياب شاعر عظيم، وكذلك نازك الملائكة. وحتى «جدارية» محمود درويش هي فيزياء متحركة.
علينا أن ندرس كل شيء من خلال نظرية الكم.
— هل تستطيع أن تجيب عن سؤالي بكامل الجسد؟
بكامل جسدي. الطاقة هنا، وهي طاقة وفيزياء. والمسرح فن بصر أولًا، وبصيرة ثانيًا.
جوهر التجربة
وربما كان هذا هو جوهر تجربة صلاح القصب كلها: رجل لم يكن حلمه الأول أن يصبح مخرجًا مسرحيًا، ولم يكن يريد أن يكون فيزيائيًا، بل كان يريد أن يكون رسامًا، بل إن حلمًا آخر ظل يرافقه في مكان ما من حياته: أن يكون بحّارًا.
وحين لم يأخذ طريق البحر، وجد نفسه في بحر آخر؛ بحر الصورة.دخل المسرح من باب الفن التشكيلي، وعبر الرواية إلى الفلسفة، ثم وجد في المسرح مساحة للضوء والجسد والفراغ والصمت. وبعد ذلك أخذ يبحث عن الفيزياء والطاقة والموجة، لا ليحوّل المسرح إلى درس علمي، وإنما ليجد لغة جديدة تفسر الحركة الخفية في العمل الفني.وربما شاءت الأقدار أن يجد شيئًا من حلمه القديم في ابنه أحمد، الذي كان يمكن أن يحقق جزءًا من ذلك الحلم الذي لم يكتمل.
لكن صلاح القصب، في النهاية، لم يكن يريد أن يظل أسير حلم واحد، ولا أسير مدرسة، ولا أسير صورة صنعها في الماضي.كان يريد أن يبحر دائمًا.من مدينة إلى مدينة.ومن صورة إلى صورة.ومن حلم إلى حلم.حتى يصل إلى تلك المنطقة البعيدة التي ظل يبحث عنها طوال حياته؛ المنطقة الواقعة بين الأرض والفضاء، بين المرئي واللامرئي، بين الفن والعلم، وبين الجسد والطاقة.
رحل صلاح القصب، لكن الحوار معه لم ينتهِ.لأن بعض المبدعين لا يتركون أجوبة نهائية، وإنما يتركون أسئلة تظل تعمل فينا.وربما كانت هذه هي طاقة صلاح القصب الأخيرة: أن يجعلنا، بعد رحيله، نواصل البحث عن المدينة التي لم يصل إليها، وعن الصورة التي أراد أن يتحرر منها، وعن الطاقة التي كان يخشى أن تتكرر.
كان يقول إنك حين تدخل إلى الكهرباء تتكهرب ولا تعود قادرًا على الحركة بالطريقة القديمة.وربما هذا بالضبط ما فعله المسرح الذي تركه لنا.لقد دخلنا إليه.فتكهربنا.ولم نعد كما كنا.