الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
ماذا أقول لحفيدتك يا أمّاه؟

بواسطة azzaman

ماذا أقول لحفيدتك يا أمّاه؟

قصي منذر

 

مرّت سنة كاملة على رحيلك وكأنها دهر من التجلّد على جمر الشوق، وما زالت صغيرتي تطيل النظر في وجهي، تتفحّص ملامحي بعينين غضّتين أرهقهما السؤال، تستقصي من صمتي عن الجوابٍ، وتفتّش عن سرٍّ لا أجرؤ على البوح به، ثم تقترب مني، وتسألني: (أين جدتي؟)، فأشعر أن سؤالها ينتشل من أعماقي ذلك الوجع الراقد منذ أن فقدناك وفُجعنا برحيلك، فأعود رغماً عني إلى تلك الساعة التي اختطفتك فيها يد المنون، فمضى شطر من العمر معك، وبقي شطر يجرّ خطاه في غيابك.

 ومنذ ذلك الغياب أفتّش في وجوه القادمين عن استحالةٍ تعيدك، وفي الأصوات المتشابهة عن نبرةٍ منك، وفي الطرقات التي ألفت خطاك عن أثرٍ يقودني إليك، وأقاوم في سرّي يقيناً ثقيلاً يأبى القلب أن يستسيغه، فأهمس لك، كأن صوتي لا يزال يبلغك حيث أنت وأقول: (لماذا رحلت يا أمّي وتركتنا ونحن في أوج حاجتنا إليك؟) و (كيف مضيت قبل أن نردّ إليك بعض من فيضك الذي أغدقته على أعمارنا حنانًا، وقبل أن نضع بين يديك شيئًا من جميلٍ كنت تبذرينه فينا أعوامًا، ولم تنتظري عليه جزاءً؟).

ثم أعود إلى صغيرتي، فأجدها ما زالت تنتظر جواباً، فأتحامل على انكساري وأقول لها: (جدتك خارج الوطن، في رحلة علاج طويلة)، فتحدّق فيّ بعينيها الواسعتين، كأنها تقرأ في ارتجافة صوتي ما أعجز عن ستره، ثم تسألني مرة أخرى: (فلماذا لا تتصل أو تردّ على رسائلي؟)، فأبتلع غصّتي وأجيبها: (الطبيب منعها من الكلام يا صغيرتي)، فتسكت هنيهةً، ثم يجيء سؤالها أشدّ نفاذاً من سابقه: (ومتى تعود؟)؛ فما كادت نبرته تستقرّ في سمعي حتى نكأت جرحاً في الروح كنت أظنّه قد هدأ، فإذا بذلك المشهد ماثلاً أمامي بكل ما فيه من فزعٍ وذهول، فألوذ بالصمت، خشية أن أنزع من يديها آخر خيطٍ يصلها بك، وأن أضع في قلبها يقينًا يطفئ انتظارها، فأدعها معلّقةً بذلك الرجاء الصغير، تنظر إلى الغد بعينين ما زالتا تظنان أن الغائب لا بد أن يعود.

وبين هذا العذر الواهي وذاك الخاطر المكسور، كانت الأسئلة تنبت في قلبي كالشوك؛ ما إن أنزع واحدةً، تغور أخرى في موضعها، حتى غدت حيرتي أشبه ببحرٍ؛ كلما ظننت أنني دنوت من ضفته، انحسر عني قليلًا، ثم أعادني إلى التيه.. فتجرفني أمواجه من موجة رجاءٍ إلى موجة خوف، فتعلو بي مرةً إلى ذروة الأمل، ثم تنقضّ بي أخرى إلى قاع الحقيقة، حتى يجيء موج ثالث يحملني إلى رؤيا أراك فيها مقبلةً نحوي، بذلك الحنان الذي كان يسبق ابتسامتك، تمدّين إليّ يدك كما كنت تفعلين، فأمدّ يدي إليك، فما أوشك أن أقبض على دفء كفّك، ثم أستيقظ وأفتح عينيّ على فراغٍ لا يرحم، وأعود من الحلم وفي كفّي حفنة من الوهم.

لقد حسبتُ أن عامًا من تعاقب الأيام كفيل بأن يخمد جذوة الفاجعة، وأن يلقي على جمرها رمادًا من النسيان، فإذا العام ينقضي، وما انطفأت في الروح نارها، ولا انكسر من حدّها شيء؛ كأن الزمن دار حول وجعنا وطاف به دون أن يمسّه، فتركه على حاله، ومضى؛ فما عاد لنا، أمام ما لا تطوله أيدينا، إلا أن نرفعها إلى من لا يعجزه شيء، فنسألك يا الله، وأنت أعلم بما تركته أمي فينا من فراغٍ لا تسدّه الأيام، أن تجعل لها من رحمتك ما يليق بسعة عطائك، ومن نورك ما يؤنس مقامها، ومن رضوانك ما يطمئن به مقامها، وأن تجعلها في أكرم منزلةٍ وأطيب مستقر؛ وأن تنظر إلى قلوبنا التي ما زالت تناديها في سرّها، فتفيض عليها من سكينتك ما يعينها على هذا الفقد، وتمنحنا من اليقين ما يجعل الدعاء لها أبلغ من كل بكاء، وتكتب لنا من رحمتك باباً لا يُغلق، وموعداً لا يخلف، ويومًا تنتهي عنده هذه المسافة التي حال بها الرحيل بين من أحبّ ومن أحبّ. وحين أفرغ من الدعاء، أستردّ منك شيئاً كان يسكن في داخلي منذ طفولتي؛ تلك الطمأنينة التي كانت تجعل العالم أقلّ قسوة، وتمنح القلب يقيناً بأن وراء كل عسرٍ يداً حانية، ثم أتذكر أن هناك قلباً صغيراً يحمل منك شيئاً كثيراً، فأراها وهي تمضي في أيامها، وفي ملامحها شيء منك يوقظ ما حسبته الزمن قد هدّأه، وفي حديثها بقايا من عفويتك، وفي فرحها ذلك البهاء الذي كان يشرق من محيّاك، فأزداد حيرةً وحيرةً أمام ذلك السؤال الذي يثقل عليّ ويؤرّقني واعود إليه كلما ضاقت بي الحيلة: ماذا أقول لحفيدتك يا أمّاه؟

 

 

 


مشاهدات 67
الكاتب قصي منذر
أضيف 2026/08/12 - 1:54 PM
آخر تحديث 2026/08/14 - 5:07 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 212 الشهر 14124 الكلي 16103828
الوقت الآن
الجمعة 2026/8/14 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير