الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
شعراء نظّامون بلا موقف

بواسطة azzaman

شعراء نظّامون بلا موقف

عبد المنعم حمندي

 

ليس أشد إيلاماً في زمن الانكسار من أن ترى «الشعر» ذلك الفن الذي ولد ليكون مشعل ثورة وشهادة حرة قد أُفرغ من جوهره، ليتحول على أيدي عهار الكلمة إلى بضاعة معروضة في سوق النخاسة السياسية. تراهم يتنقلون من منصة إلى أخرى، يتصدرون مهرجانات المسرحيات الفارهة، وتتطابق حركات أيديهم ونبرات حناجرهم وهم «يرتدحون» بكلمات موزونة تتملق الأنظمة المطبعة، بينما تقف الأمة على أرض مخضبة بالدم، ويكون الذبح العربي المشهد الأبرز في الشاشة، وهم عنه صامتون.

إن هؤلاء ليسوا شعراء، بل حَجّالو المنصات على جراح الأمة، يملكون بلاغة اللسان ويفتقرون إلى شرف الموقف. يتغنون بالحب والجمال والورق المُذهب ، ويهربون من صرخات الثكالى وأشلاء الأطفال تحت الركام؛ لأن القصيدة التي تنتصر للحق لا تجلب الدعوات الرسمية، والموقف الحر لا يضمن تذاكر الطيران على درجة رجال الأعمال، ولا الإقامة في الفنادق المذهبة.

لقد اختاروا أن يكونوا أبواقاً لمن يدفع، ومساحيق تجميل لأنظمة باعت ثوابت الأمة وجلست تحت أقدام القتلة. يغيرون جلودهم البلاغية كما يغيرون بدلاتهم، كالقردة التي تُقلّد ما يُملى عليها، فإذا تغيّرت البوصلة السياسية لمستضيفهم، عدّلوا أوزانهم وسرقوا مفردات جديدة ليتكيفوا مع وليّ النعمة الجديد. فالشعر عندهم ليس موقفاً أخلاقياً ولا انحيازاً للإنسان، بل تقاطع مصالح وتجارة مواسم.

إن التاريخ الأدبي يفرز الغث من السمين بلا رحمة. ستبيد هذه المهرجانات، وتنطفئ أضواء المسارح الزائفة، وستتآكل أوراق هؤلاء الشعراء في سلال المهملات؛ لأن الشاعر الذي لا يحمل موقفاً من المأساة، والذي يصفق للمطبعين ويصمت عن الدم، هو ميتٌ وإن ملأ المنصات ضجيجاً. أما الشعر الحقيقي، فسيظل ذاك الذي يُكتب بمداد الكرامة، ويصطف مع الضحية والمظلوم ،ويحفظ ذاكرة الأمة يوم يبيعها سماسرة المنصات.

 


مشاهدات 70
الكاتب عبد المنعم حمندي
أضيف 2026/08/08 - 2:52 AM
آخر تحديث 2026/08/08 - 10:00 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 442 الشهر 8034 الكلي 16097738
الوقت الآن
السبت 2026/8/8 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير