الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
الضوء المتجلّي في أنطولوجيا الثقافة


الضوء المتجلّي في أنطولوجيا الثقافة

عبد المنعم حمندي

 

توثيق حياة المبدعين واقتفاء أثرهم ليس مجرد جمعٍ للسير الذاتية أو سردٍ للمحطات الزمنية، بل هو صناعة للأثر، واستحضارٌ للرؤية الإبداعية التي أثّرت في الوجدان الإنساني. المبدع — سواء كان poet (شاعراً)، أو رساماً، أو مفكراً أو ملحناً — لا يُختزل في تاريخ ميلاده ووفاته، بل يعيش في أفكاره، وأوراق خطّها بيده، وحوارات جرت في أروقة مقاهٍ أو مكاتب تحرير، وفي تفاصيل لمحة خاطفة تحولت إلى أثر فني.وليس كل كتب السير وترجمة الأعلام تمتاز بالرؤية التكاملية كما أعدها ألمؤلفون عبر مراحل تاريخية قريبة.بين يدي كتاب صدر حديثا عن دار النهار في بيروت

شخصيات مميزة

بعنوان «هسهسات الضوء في انطلوجيا الثقافة العراقية» لمؤلفه المفكر الدكتور عبد الحسين شعبان الذي سلط الضوء فيه على 40 شخصية متميزة من أهواء  شتى وفي معارف مختلفة ، عرفهم عن قرب وعايشهم ، وتحدث عن  شخصيات في فترات لم يعشها و في بعضها رأى من الضروري توثيق حياة نخبة من هؤلاء الأعلام واقتفاء أثرهم بأسلوب يجمع بين العمق الأكاديمي والوفاء الإنساني ، في هذا الكتاب قدم المفكر العراقي والكاتب البارز الدكتور عبد الحسين شعبان  «هسهسات الضوء في أنطولوجيا الثقافة العراقية» وثيقةً ثنائية الأبعاد؛ تجمع بين التوثيق الأكاديمي الحصيف والوفاء الإنساني . فالكتاب ليس مجرد مسحٍ ببليوغرافي أو سردٍ سيرِيٍ لقامة ثقافية، بل هو محاولة واعية لـ «استعادة روح المرحلة» واستحضار التجربة الإبداعية من داخلها.​يستند الكتاب إلى رؤية عميقة مفادها أن الثقافة العراقية، في أوج توهجها، لم تكن لوناً واحداً ولا اتجاهاً مؤدلجاً، بل كانت تعدداً خلاقاً يُشبه الفسيفساء. ومن هذا المنطلق، لم يقتصر د. شعبان على حقل معرفي بعينه، بل فتح صفحات أنطولوجيته لـ 40 شخصية مبدعة توزعوا على:

1- ​الفكر والنقد : المفكرون  الذين أسسوا للمفاهيم التنويرية. مثل: أحمد الحبوبي،حسين جميل، خير الدين حسيب، علي الوردي، هادي العلوي، محمد باقر الصدر وغيرهم

2- الشعر والأدب: القامات التي صاغت الوجدان وصححت الذائقة الأدبية.مثل الجواهري، و أحمد الصافي النجفي،ومصطفى جمال الدين، وبدر شاكر السياب، وحميد سعيد، ومظفر النواب،وعبد الأمير الحصيري ،وغيرهم

3- الفن التشكيلي والمسرح: المبدعون الذين جسدوا الهوية البصرية والجمالية.مثل : ناهدة الرماح، كوكب حمزة، وجدان ماهر  وغيرهم

4- الصحافة والعمل الثقافي: الذين حرسوا الكلمة المكتوبة وجعلوا من الورق حافضاً للذاكرة الوطنية. مثل:روفائىيل بطي،شمران الياسري، عزيز السيد جاسم، وميض نظمي ، وغيرهم

​تكمن القوة الاستثنائية لهذا العمل في أن المؤلف لم يكتب عن هذه الشخصيات كباحثٍ متفرج أو أرشيفيٍ محايد فقط، بل كشاهد عيان ورفيق درب؛ عاشر أغلب هذه القامات، وشاركهم الهمّ الثقافي والإنساني، وجالسهم في أروقة الصحافة، والمنتديات، والمجالس الفكرية.

التقاط اللحضات

​هذه «المعايشة» أضفت على الكتاب خصلتين أساسيتين

أولاً :​استعادة «هسهسات الضوء»: التقاط اللحظات الخاطفة، الحوارات غير المفلترة، والتفاصيل الإنسانية البسيطة التي تتوارى عادةً خلف المجلدات الرسمية، لكنها تعكس جوهر الإبداع وموقف المبدع المستقل.

ثانياً : إحياء السياق التاريخي: قراءة كل قامة ضمن ظروفها الفكرية والاجتماعية، وكيف استطاع المبدع العراقي أن يحافظ على أصالته واستقلاليته الرؤيوية وسط التحولات العاصفة.

 القيمة النقدية والتاريخية للعمل

​يمثل كتاب «هسهسات الضوء» حائط صدٍ ضد الاندثار، ومحاولة جادة لإعادة الاعتبار للمفهوم الشامل للثقافة. إن د. عبد الحسين شعبان عبر هذا النسيج المكون من 40 بؤرة ضوئية، يقدم للباحثين وللأجيال الجديدة خارطة طريق معرفية؛ لا تخبرك فقط من هم هؤلاء الأعلام، بل كيف فكروا، وكيف جعلوا من الإبداع رسالة إنسانية عابرة للأطر الضيقة.

إن «هسهسات الضوء في أنطولوجيا الثقافة العراقية» ليس مجرد كتاب يُقرأ للاستزادة المعرفية، بل هو سِفر وفاء واسترداد حيّ لذاكرة وطن؛ أبدعه مفكرٌ يدرك أن صيانة الأثر الإبداعي هي في أصلها صيانة للهوية المستقبليّة.


مشاهدات 32
الكاتب عبد المنعم حمندي
أضيف 2026/07/31 - 11:51 PM
آخر تحديث 2026/08/01 - 12:57 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 44 الشهر 44 الكلي 15999749
الوقت الآن
السبت 2026/8/1 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير