الفطرة تعطي الجرأة لدلشاد نايف ويقول لـ (الزمان) : أعمالي تستلهم الحياة بكل تفاصيلها
دهوك - شيرزاد نايف
بدأ التشكيلي الكردي دلشاد نايف ، من مواليد دهوك، رحلته مع الرسم عام 1991، وتخرّج في معهد الفنون الجميلة عام 1999، ثم أكمل دراسة البكالوريوس والماجستير في كلية الفنون الجميلة بجامعة دهوك عُرف باهتمامه العميق باللون حتى لُقِّب بين عدد من الفنانين والمتابعين بـ”خبير الألوان”، إلا أن تجربته لا تقوم على اللون وحده بل على مشروع تشكيلي يجمع بين الهوية الكردية، والرمزية، والبناء الأكاديمي، والخيال الفني. يرى في الجبل هوية لا مشهداً وفي اللون والشكل لغة يكتب بها سيرته البصرية مستلهماً التاريخ والأسطورة والأدب والطبيعة الكردية ضمن رؤية تمزج بين الواقع والفنتازيا في هذا الحوار مع (الزمان) يتحدث عن الإلهام، والبيئة، والفطرة والأكاديمية، وتأثير كبار الفنانين العراقيين وعن فلسفته الخاصة في بناء اللوحة :
□ من أين يأتيك الإلهام؟
- الإلهام عندي لا يأتي بل يقيم في النخاع أنا ابن جبل دهوك وهذا الجبل ليس مشهداً أرسمه من بعيد بل ذاكرة تسكن أصابعي منذ كنت طفلاً في عام 1991، حين بدأت أرسم والحرب تتكئ على الأبواب فالإلهام عندي وجع قبل أن يكون مكاناً، لكنه وجع له جغرافيا: صوت الحجر في دهوك أصدق عندي من مياه دجلة والفرات لأن الحجر لا يهرب بينما الأنهار ترحل أنا لا أرسم الجبل لأنه جميل بل لأنه صامد وهذه الصفة هي ما أريد أن تنتقل إلى القماشة. ولا يمكن أن أتحدث عن الإلهام من دون أن أتوقف عند البيئة بوصفها إحدى أهم ركائز التجربة الفنية فالفنان ابن بيئته قبل أن يكون ابن مدرسته البيئة هي التي تصوغ العين قبل أن تصوغ اليد نشأت بين الجبال وتربيت على خشونة الصخر ونقاء الهواء وصمت الطبيعة ولذلك جاءت لوحاتي محمّلة بهذا الإرث: صلابة في التكوين، وخشونة في الملمس، وحضور للأرض بوصفها كائناً حياً لا مجرد خلفية ولو كنت ابن السهل أو الساحل لكانت لغتي البصرية مختلفة تماماً لكن الإلهام عندي ليس المكان وحده بل الحالة الداخلية التي يولدها هذا المكان حين أقف أمام لوحة بيضاء لا أرسم منظراً أو موضوعاً فحسب بل أرسم ما يعتمل في داخلي من مشاعر وأسئلة وذكريات وانفعالات اللوحة ليست عندي وسيلة لتسجيل الواقع بل مساحة لتحويل ما لا يُقال إلى صورة كثير من الأشياء تعجز اللغة عن التعبير عنها بينما يستطيع اللون والخط والإيقاع التشكيلي أن يمنحوها شكلاً مرئياً. ومن هنا جاءت مفرداتي التشكيلية فأنا لا أتعامل مع الشكل بوصفه عنصراً جمالياً منفصلاً عن الفكرة بل بوصفه حاملاً للرمز والذاكرة معظم أعمالي تستلهم الحياة الكردية بكل تفاصيلها الإنسان، والطبيعة، والقرية، والرقصات الشعبية كما أعود باستمرار إلى التاريخ والأدب والأسطورة الكردية فأستحضر شخصيات مثل مم وزين، وخج وسيامند، وخان له پ زيرين، وأحمد خاني، وغيرهم من الشخصيات التي أصبحت جزءاً من الذاكرة الثقافية لشعبنا لكنني لا أرسمهم بوصفهم شخصيات تاريخية فحسب، وإنما بوصفهم رموزاً إنسانية تحمل معاني الحب والبطولة والفقد، والحرية والصمود. وعلى المستوى الأسلوبي لا أنقل الواقع كما تراه العين بل أعيد بناءه لذلك تمتزج في لوحاتي العناصر الواقعية بالفنتازيا فتولد عوالم تتجاور فيها الحقيقة مع الخيال ومع ذلك فإن هذا الخيال لا يقوم على المصادفة بل يستند إلى بناء أكاديمي دقيق في الرسم والتشريح والتكوين فقد بدأت بالرسم الواقعي وما زلت أؤمن بأن امتلاك القواعد هو الذي يمنح الفنان حرية تجاوزها بوعي فالخيال الحقيقي لا يولد من الفراغ بل من معرفة عميقة بالواقع ولذلك حتى حين يرى المتلقي في أعمالي الجبل أو القرية أو الشخصيات الكردية فإن هذه العناصر ليست الغاية بحد ذاتها بل هي أوعية تحمل رؤيتي الإنسانية فالغاية بالنسبة إليّ هي أن أمنح الصوت الداخلي شكلاً مرئياً وأن أجعل اللوحة تعترف بما قد يعجز الإنسان عن قوله بالكلمات لهذا أرى أن الفن ابن بيئته أولاً لكنه في النهاية لغة تكشف ما يبقى صامتاً في داخل الإنسان.
حقيقة فنية
□ هل انت فنان أكاديمي أم فطري؟
- الاثنان معاً ولا أفضّل أحدهما على الآخر لأن الفصل بينهما وهمٌ أكاديمي أكثر منه حقيقة فنية. الفطرة أعطتني الجرأة وأنا طفل أرسم بلا خوف من الخطأ والأكاديمية (معهد الفنون، ثم جامعة دهوك حتى الماجستير) فقد منحتني أدوات التحليل وفهم البناء التشكيلي والعلاقات اللونية والتكوين والتشريح وفلسفة الفن. لذلك أحتاج دائماً إلى هذا الحوار الداخلي بين الفطرة والمعرفة فالأولى تمنحني الحرية والثانية تمنحني الوعي. ولهذا بقيت الواقعية الأكاديمية هي الأساس الذي أنطلق منه لكنها ليست المحطة الأخيرة في تجربتي فأنا لا أسعى إلى محاكاة الواقع كما هو بل إلى إعادة صياغته وفق رؤيتي الخاصة مستفيداً من إمكانات الرسم الأكاديمي في بناء عالم رمزي وفنتازي يحمل أفكاري ومشاعري وأعتقد أن قيمة الفنان لا تكمن في قدرته على نسخ ما تراه العين وإنما في قدرته على أن يجعلنا نرى الواقع بطريقة جديدة والفن بالنسبة إليّ ليس مدرسة مغلقة وإنما مساحة مفتوحة للتجريب والتطور فمن حق الفنان أن يجد لغته الخاصة سواء كانت واقعية أو تعبيرية أو تجريدية أو مفاهيمية لأن جميع هذه الاتجاهات تشكل أجزاء من تاريخ الفن المعاصر المهم أن يكون لكل تجربة صدقها الداخلي وأن تعبّر عن رؤية حقيقية لا عن تقليد لغيرها.
□ ما هو انطباعك عن الفنانين العراقيين؟
- الفنان العراقي عندي ليس اسماً واحداً بل مدرسة كاملة من الأرواح تسكنني وأنا أقف أمام القماشة. حين أرسم لا أرسم وحدي؛ فائق حسن يمشي معي بخيوله التي لم ترسم كأشكال بل كأرواح تعدو خارج الزمن حاملة غبار الصحراء وكبرياء العراق في عضلاتها المشدودة. من فائق حسن تعلمت أن الحصان ليس حيواناً بل استعارة للحرية التي لا تُقاد.
ومحمد مهرالدين علّمني جرأة الخط ذاك الخط الذي لا يعتذر الذي يمرّ على القماشة كأنه قرار لا رجعة فيه وكاظم حيدر بمسرحيته اللونية ومأساويته المكتومة فتح لي باباً لأفهم أن اللوحة يمكن أن تكون “مشهداً” قبل أن تكون تكويناً. أما شاكر حسن آل سعيد فهو الفيلسوف الذي علّمنا أن الفن بلا فكر جسدٌ بلا روح؛ نظرياته عن “البعد الواحد” جعلتني أعيد التفكير في علاقتي بالحرف والمكان قبل أن أرفع الريشة. إسماعيل الشيخلي أعادني إلى حميمية البيت العراقي وبساطته الشاعرية بينما اسماعيل خياط الفنان الكردي منحني الأقنعة كلغة: الوجه الذي يخفي ليكشف والقناع الذي يتحدث حين يصمت الإنسان.
ومحمد عارف حمل لي هموم الإنسان البسيط بمواضيعه ووليد شيت علّمني أن الشكل يمكن أن يتحرر من الجاذبية نفسها أشكاله المتطايرة فوق الكانفاس وخطوطه الباستيلية الملونة أشبه بريشة تتنفس لا تُقيَّد. وضياء العزاوي بقي المعلم الذي جمع بين الحرف العربي والأسطورة والسياسة في نسيج واحد لا يشيخ. لكن على الرغم من هذا التأثر لم يكن هدفي يوماً أن أكرر أحداً منهم وإنني لست امتداداً لفنان واحد بل ثمرة حوار طويل مع تجارب كثيرة انتهى إلى لغة تشكيلية أحاول أن تكون لغتي أنا لا صدى لأحد غيري رغم اني تعلمت منهم جميعاً ثم لكنني حاولت أن أبحث عن صوتي الخاص ولهذا تقوم تجربتي على ركيزتين أساسيتين هما الشكل واللون فالشكل عندي ليس مجرد وسيلة لتمثيل الأشياء بل هو البناء الذي يحمل الفكرة بينما اللون هو الطاقة التي تمنح هذا البناء حضوره النفسي والتعبيري أما موضوعاتي.. فهي تنبع في معظمها من الهوية الكردية وأنا لا أتعامل معها بمنطق التوثيق بل أعيد صياغتها داخل فضاء تشكيلي يمزج بين الواقع والفنتازيا بحيث يبقى المتلقي قادراً على التعرف إلى الشخصية أو المكان لكنه في الوقت نفسه يدخل عالماً يتجاوز الواقع المباشر. لذلك تجد في أعمالي دقة في الرسم والبناء الأكاديمي إلى جانب حرية في التكوين والخيال لأنني أؤمن بأن المعرفة الأكاديمية لا تحدّ من الخيال بل تمنحه أساساً أكثر قوة.
□ أنت كمبدع بالألوان… هل أضفتَ شيئاً جديداً على الألوان؟ وهل تغيّر نظامك اللوني مع الزمن، أم أنك وفيّ للوحة واحدة من الألوان منذ البداية؟ وهل الألوان تكفي لتغطي عثرات التخطيط؟
- لا أستطيع أن أدّعي أنني أضفت شيئاً جديداً إلى الألوان نفسها لأن اللون مفردة أساسية في الفن منذ آلاف السنين ولا يملك فنان أن يعيد اختراعها لكن ما يسعى إليه كل فنان هو أن يقدّم رؤيته الخاصة في توظيف اللون وأن يبني منظومة لونية تعبّر عن شخصيته وتجربته وإذا كانت لتجربتي خصوصية فهي تكمن في طريقة بناء العلاقات اللونية وفي التعامل مع اللون بوصفه قيمة تعبيرية ونفسية لا مجرد قيمة زخرفية. أما منظومتي اللونية، فلم تبقَ ثابتة لأن الفنان الذي يكرر نظامه اللوني طوال حياته يكرر تجربته أيضاً لقد مرّت أعمالي بمراحل متعددة ففي بداياتي كانت تميل إلى الألوان الباردة كالنيلي والأزرق والبنفسجي ثم اتجهت إلى الأوكريات والقرمزيات وبعدها إلى منظومات لونية أكثر تركيباً وصولاً إلى الألوان الحارة والمشبعة التي أصبحت أكثر حضوراً في أعمالي الأخيرة لذلك أستطيع القول إن كل مرحلة من حياتي الفنية كتبت نفسها بمنظومتها اللونية الخاصة وإن تغير اللون عندي لم يكن قراراً شكلياً بل نتيجة طبيعية لتطور الرؤية والتجربة. أما عن قدرة اللون على تغطية عثرات التخطيط، فإجابتي هي: لا. فاللون لا يستطيع أن ينقذ رسماً ضعيفاً أو تكويناً مختلاً قد يجذب النظر في البداية لكنه لا يصمد أمام عين الفنان أو الناقد إن التخطيط الصحيح هو الأساس الذي تُبنى عليه اللوحة أما اللون فهو الذي يمنحها الحياة لذلك أرى أن جمال اللون لا يعوّض ضعف الرسم كما أن براعة الرسم وحدها لا تكفي من دون معالجة لونية واعية فاللوحة الناجحة هي التي يتحقق فيها التوازن بين سلامة البناء وقوة اللون.