كرة القدم .. البديل الحضاري عن الحروب بين الشعوب
قاسم حسين صالح
تنفرد كرة القدم بسيكولوجيا خاصة تعزف على اوتار الطبيعة البشرية وما ورثته من تاريخها الذي يعود لمرحلة الصيد قبل ملايين السنين..لما بينهما من شبه كبير.فالصياد يجري وراء الطريدة،ينفعل،ويصوّب ،ويسدد..وان صادها جرى له احتفال واستقبل استقبال المنتصر. والآلية السيكولوجية ذاتها تعمل في لاعب كرة القدم والجمهور،مع ان اللعبة تبدو لآخرين سخيفة..اذ كل ما فيها ان (22) شخصا يتقاذفون كرة بأرجلهم ورؤوسهم..بطريقة تحرّك جهازنا الانفعالي و تثير ولعا وشغفا وهوسا..بل عنفا وعدوانا يؤدي الى القتل احيانا بين المشجعين. وما بين ساحة الحرب وساحة اللعب..حالة سيكولوجية واحدة،حيث في الاولى جيشان يتقاتلان ويمارسان الخدعة من اجل فوز احدهما وهزيمة الآخر..وفي الثانية فريقان يعتمدان الخدعة ايضا و(يتقاتلان) بطريقة حضارية اخضعت الصراع لقوانين تضبطه..تحيط بهما جماهير ترفع اعلام دولها! أو فرقها.ومع ان كرة القدم سجّلت فضلا على البشرية بأن نقلت الصراعات بين الدول من ساحات الحروب الى ساحات كرة القدم ،الا انها كانت احيانا سببا في تأجيجها. وتجسد كرة القدم أربع حاجات متأصلة في الطبيعة البشرية هي:
* حاجة الانسان الى (التغلّب)
* وقهر الخصم،
* ونزعته الى الصراع مع الآخرين،
* وحاجته الى التماهي بـ(المنتصر)..اي الشعور بالزهو وتوكيد الذات. وهنالك سبب فسلجي ايضا،هو ان الحياة مملة وان الدماغ يحتاج الى تنشيط،وان كرة القدم بما فيها من ترّقب وتوتر وصراخ،تزيح عن الدماغ انشغالاته اليومية بالهموم وتنعشه بما تحدثه فيه من انفعالات وايعازات بافراز هرمونات منشطة. ان الحالة النفسية الصحية هي الاستمتاع بمشاهدة اللعبة والاعجاب بمهارة وذكاء هذا اللاعب او ذاك،فاذا ما تعدتها من الاعجاب الى التماهي فانها تعني شيئا آخر في الصحة النفسية والحالة العقلية.
قد نذهب بعيدا في هذا التحليل اذا قلنا ان المشاهد الذي (يتماهى ،يتوحد) بشخصية لاعب مميز (رونالدو او ميسي مثلا )..وانه يفرح لفرحه ،ويغضب اذا اصابه اذى او خسر فريقه..وينفعل ويسحب انفاسا متلاحقة من النرجيله، وكؤوسا بيضاء او حمراء،ويقضي ليلته كدرا ،ويتعارك مع زوجته ويضرب اطفاله..يمكن ان يكون تصرفه هذا مؤشرا عن احباط او شيء ينقصه بغض النظر عن نوعه ما اذا كان نفسيا،عاطفيا،اجتماعيا،او عضويا. وكحقيقة سيكولوجية فان التماهي يكون في علاقة طردية مع ما يتعرض له الفرد من اخفاق وشعوره بالعجز من اصلاح الحال،ولا اظن شعبا في العالم المعاصر تعرض الى ما تعرض له العراقيون من فجائع وخيبات.ولهذا فان التماهي عند العراقيين في كرة القدم العالمية حالة عصابية (مرضية) ناجمة عن قساوة وديمومة هزائمهم النفسية في الحياة العامة،وانهم يجدون في التوحّد بفريق فائز ما ينفس عنها،وما يجعل من الفريق الرياضي الآخر بديلا لاشعوريا عن خصمهم السياسي فيسقطون عليه انتقامهم المكبوت. شاهد ذلك..في العام( 2010 ) كان العراقيون يتابعون مباريات كأس العالم بمزاج خاص..وكنّا كتبنا في حينه، انهم صحيح يشاركون ملايين العالم في شغفهم بكرة القدم لكنهم الوحيدون الذين يقبلون عليها وهم كدرون..(لتوالي الخيبات على العراقيين وتكرر الاحباطات التي تولّد لدى الجماهير المحرومة حاجة البحث عما يشفي غليلهم ،وتمني مجيء ” البطل المخلّص”)..فضلا عن ان مشاهدة مباريات كأس العالم تفعل في المضنوك ما يفعله المخدّر في المحبط الهارب اليه من واقع خشن..فكيف بالمواطن العراقي اذا كان رئيس جمهوريته ورئيس وزرائه يتقاضيان 150 مليون دينار شهريا فيما هو يكدح ” والعشا خبّاز”..
وفي طرق ملغومة بالموت!. وكيف اذا علم ان هناك 36 ملياردير ثروة كل واحد منهم مليار دولار معظمهم كانوا فقراء،وهناك 13 مليون عراقي دون مستوى خط الفقر!. وكيف اذا عرف ان ملايين الدولارات ومليارات الدنانير وسبائك ذهب تملاء (كنتور) أم الجهال قد تم الكشف عنها بما لا يصدقه ولا يهضمه منطق! ان يكون في الدولة مجموعة فاسدين فهذا أمر وارد، لكن ان يكون بهذا العدد من الأشخاص وبهذا الكم والتنوع في المسروقات.. فهذا يحصل في العراق فقط ..
فهل تم الأتفاق بين علي الزيدي وترامب على تصفيتهم و حلبهم ، أم انهم يتركونهم لكوابيس تؤرق نومهم وتنغص عليهم حياتهم؟!