الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
صولة الفجر.. حين يحاكم الـله الطغيان

بواسطة azzaman

صولة الفجر.. حين يحاكم الـله الطغيان

ثامر محمود مراد

 

ليس كل فجرٍ يُولد من رحم الليل، فثمةُ فجرٌ يولد من رحم الدعوات التي رفعتها الأمهات في جوف الأسحار، ومن دموع الفقراء التي لم يجدف بها النسيان، ومن أنين وطنٍ أثقله اللصوص حتى كاد ينسى ملامح وجهه.

وحين تشرق شمس العدالة، لا يكون الضوء مجرد إشراقٍ في السماء، بل انكشافًا لما حاولت الظلمات أن تستره. فالحق لا يموت، وإنما يغفو قليلًا، حتى يأذن الله له أن يستيقظ، فإذا الباطل الذي انتفخ سنين طويلة كفقاعةٍ فوق ماءٍ آسن، ينفجر في لحظة، فلا يبقى منه إلا الرائحة الكريهة.

إن ما شهده العراق في صولة الفجر أعاد إلى النفوس سؤالًا قديمًا: إلى متى يظن الظالم أن الله غافل؟ وكيف يطمئن قلبٌ امتلأ بحب المال الحرام وهو يقرأ قول الله تعالى:

(وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا).

إن الله سبحانه لا يعجل بعجلة البشر، ولكنه إذا كشف سترًا، لم تستطع جيوش الأرض كلها أن تعيده. كم من رجلٍ ظن أن الجدران تحفظ الأسرار، وأن الخزائن أعمق من عين العدالة، وأن الذهب يستطيع شراء الصمت! ثم جاءت لحظةٌ وقف فيها المال نفسه شاهدًا على صاحبه، وأصبحت الأوراق التي جمعها بلهفة الطامعين أدلةً تُشير إليه قبل أن ينطق أحد باسمه.

يا لها من مفارقةٍ تقطع القلب!

في وطنٍ يجلس فيه طفلٌ على رصيف مدرسةٍ متهالكة، لأن مقعدًا دراسيًا لم يُبنَ، وفيه أمٌ تُطفئ جوع أطفالها بكأس ماء، وفيه أبٌ يبيع كرامة تعبه كل يوم ليعود برغيف خبز...

تظهر على الشاشات صور أموالٍ لا تستطيع العين أن تُحصيها، ولا الخيال أن يتخيلها. جبالٌ من النقود...

طرق بعيدة

لو أن جزءًا يسيرًا منها عاد إلى مكانه الصحيح، لابتسمت قرى كاملة، وامتلأت المستشفيات بالأجهزة، وعادت المدارس تنبض بالحياة، وشعر العراقي لأول مرة أن ثروة بلده تعرف طريقها إلى أبنائه.

وأنا...

لم أكن أحلم بقصورٍ ولا بموكبٍ ولا بمنصبٍ ولا بحساباتٍ تعجز الآلات عن عدّ أصفارها. كنت أقف أمام شاشة التلفاز، أحدق في تلك الأكوام من الأموال، ثم أبتسم ابتسامةً يشوبها الألم، وأقول في سري:

«يا رب... لو أنني أملك جزءًا ضئيلًا من هذه الأموال، لما طلبت سلطانًا، ولا اشتريت نفوذًا، ولا نافست أحدًا على دنيا زائلة. كنت سأشتري دراجةً ناريةً فقط... دراجةً تحملني إلى الطرق البعيدة، فأطوف بها العالم، وأصادق الجبال والبحار، وأكتب حكايتي مع الأرض

أي سخريةٍ هذه؟

هناك من يملك من المال ما لا تنفقه أجيال، وأنا، وكثيرون مثلي، نقف عاجزين أمام حلمٍ صغير، لا يتجاوز ثمن آلةٍ بعجلتين.

لقد سرقوا من الفقير أكثر من ماله...

سرقوا منه حقه في أن يحلم.

سرقوا من الطفل ضحكته، ومن الشاب مستقبله، ومن الشيخ راحته، ومن العراق سنواتٍ كان يمكن أن تكون أجمل مما كانت.

لكن التاريخ لا يحفظ أسماء الأغنياء بقدر ما يحفظ أسماء الشرفاء.

والمال، مهما تراكم، لا يستطيع أن يشتري دقيقةً واحدةً إذا حضر الأجل، ولا أن يدفع عن صاحبه سؤالًا واحدًا حين يقف بين يدي الجبار.

هناك...

لن تكون للخزائن مفاتيح.

ولن تنفع المواكب.

ولن تتكلم الأرصدة.

وسيتكلم العمل وحده.

اللهم يا عدل السماوات والأرض، إن كان في هذا الوطن من ظلم العباد، ونهب المال العام، وأفسد في الأرض، فأره عدلك في الدنيا قبل الآخرة، واجعل ما جمعه وبالاً عليه، ولا تجعل للظالمين في العراق سبيلاً.

اللهم احفظ العراق، وأعن كل قاضٍ نزيه، وكل رجلٍ شريف، وكل امرأةٍ مخلصة، وكل مسؤولٍ يجعل الوطن فوق مصالحه، وألّف بين قلوب أبنائه، وأعد إليه هيبته وكرامته، حتى يعود كما كان... أرض الحضارات، ومنارة العلم، وبيتًا يتسع لكل العراقيين.

فالعراق لا يستحق أن يرث الفساد...

بل يستحق أن يرث الفجر.

 

 


مشاهدات 114
الكاتب ثامر محمود مراد
أضيف 2026/07/20 - 3:53 PM
آخر تحديث 2026/07/21 - 12:32 PM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 647 الشهر 22648 الكلي 15927775
الوقت الآن
الثلاثاء 2026/7/21 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير