الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
الدولة الوطنية في الشرق الأوسط بين ثنائية البيرية والعمامة؟

بواسطة azzaman

الدولة الوطنية في الشرق الأوسط بين ثنائية البيرية والعمامة؟

آريان ابراهيم شوكت

 

لا تزال معضلة الاستقرار السياسي والأمني والاجتماعي في الشرق الأوسط تؤرق الفلاسفة والمؤرخين، وتُبقي هذه الرقعة الجغرافية أسيرة دوامة مستمرة من الاضطرابات والحروب الأهلية والانهيارات الاقتصادية. وفي الوقت الذي تصر فيه الخطابات الرسمية السائدة ونخبتها الفكرية التقليدية على تعليق هذه الخيبات المزمنة على شماعات جاهزة، لعل أبرزها المؤامرات الخارجية، وخطط الاستعمار الغربي، واتفاقيات التقسيم التاريخية كـ "سايكس بيكو" وغيرها، يكشف التقصي الموضوعي عن حقيقة مغايرة تماماً.

إن العلة الكبرى والسبب المباشر لعدم الاستقرار يكمنان في بنية الأنظمة السياسية البديلة التي تشكلت عقب الإطاحة بالملكيات أو الأنظمة الاستبدادية السابقة، وهي البنية التي عجزت بنيوياً عن إنتاج مفهوم "الدولة الوطنية الشاملة" أو تأسيس عقد اجتماعي يحترم التعددية، لتجد المنطقة نفسها أسيرة ثنائية قاتلة يتناوب فيها الحكم بين "الطربوش العسكري" الإقصائي و"العمامة" الثيوقراطية الضيقة.

إن المتأمل في التاريخ المعاصر للمنطقة يدرك أن معظم التحولات الكبرى والثورات والانقلابات التي وُعدت الشعوب من خلالها بفجر جديد، لم تكن سوى بوابات لاستبدال هيمنة بأخرى. فبدلاً من الانتقال نحو فضاء ديمقراطي أو علماني حقيقي يستوعب الخصوصيات القومية والدينية والمذهبية تحت مظلة "المواطنة المتساوية"، انزلقت هذه التغيرات نحو خيارين محوريين لا ثالث لهما: إما دولة قومية إقصائية شوفينية تفرض سطوة "البيرية العسكرية"، وإما دولة دينية مذهبية ضيقة بشقيها السني والشيعي تتدثر بعباءة "العمامة". لقد كان هذا التناوب العقيم بمثابة الرصاصة التي أُطلقت على حلم التعايش، والركيزة الأساسية لعدم الاستقرار المزمن.

 

"طربوش" العلمانية العسكرية وصهر الهويات

تبرز التجربة التركية الحديثة كنموذج صارخ ومبكر لهذه المعضلة البنيوية؛ فبعد الانقلاب الجذري الذي قاده مصطفى كمال أتاتورك على أنقاض الخلافة العثمانية المنهارة، وتبنيه نظاماً علمانياً ديمقراطياً واعداً بالمعايير الغربية، اتجهت الدولة الجديدة نحو فرض هوية قومية أحادية متصلبة.

لقد استبدل كمال أتاتورك العمامة العثمانية بـ "بالبيرية العسكرية الحديثة" (أو القبعة الغربية قسراً)، ساعياً إلى تحديث المجتمع وفك ارتباطه بالماضي الإسلامي، لكن علمانيته سقطت في فخ القومية المتشددة حين أسست عقيدتها على إنكار التنوع الإثني في البلاد. ونتيجة لذلك، واجهت مكونات وقوميات كبرى صهراً ثقافياً ممنهجاً وعدم اعتراف مطلق بحقوقها التاريخية واللغوية، وفي مقدمتها الشعب الكُردي.

إن الكُرد في تركيا، الذين يتراوح تعدادهم اليوم بين 15 إلى 20 مليون نسمة ككتلة بشرية هائلة تشكل ركيزة أساسية من نسيج البلاد، عانوا لعقود من طمس هويتهم ووصفهم رسمياً بـ "أتراك الجبل" في محاولة لإنكار وجودهم الإثني. هذا الإقصاء البنيوي داخل النظام الذي ادعى العلمانية والديمقراطية حوّل القضية الكُردية إلى جرح نازف وفتيل لتوترات مسلحة وحروب استنزاف مستمرة، مبرهناً على أن "علمانية الطربوش العسكري" لم تكن سوى غطاء لفرض هيمنة قومية أحادية على حساب التعددية الحقيقية والمواطنة العادلة.

إن تزييف مفهوم العلمانية بتحويله إلى أداة قمع عسكرية لصهر المكونات، هو الذي مهد الطريق تاريخياً لارتداد المجتمعات نحو بديل "العمامة" بحثاً عن هوية جامعة تفتقدها في أروقة الدولة الوطنية العسكرية.

ولم تكن بقية دول المنطقة بمنأى عن هذا النهج الإقصائي عقب الإطاحة بالأنظمة الملكية، كالعراق، ومصر، وسوريا، وليبيا، واليمن. ففي مصر، تلا انهيار الملكية عام 1952 بزوغ فجر النظام الجمهوري بقيادة جمال عبد الناصر، الذي رفع لواء القومية العربية كعقيدة شبه مقدسة للدولة. ورغم تغليف هذا المشروع بطابع علماني تحديثي، إلا أنه في جوهره كان يرتدي "طربوشاً عسكرياً" يمارس تهميشاً ناعماً أو خشنً لكل المكونات التي لا تنخرط في الهوية العروبية، فضلاً عن وأد الحريات السياسية لحساب "الحزب القائد" أو "الزعيم الملهم".

هذا السيناريو تكرر بنسخة أكثر دموية وتصلباً في العراق وسوريا تحت حكم حزب البعث العربي الاشتراكي. هنا، ارتدت القومية المتطرفة قناعاً علمانياً زائفاً؛ إذ لم تكن العلمانية في تجربة البعث سوى أداة لضبط المجتمع وتأميم مجالاته العامة، بينما ظلت ممارسة السلطة في العمق تستند إلى عصبية قومية إقصائية تارة، وعشائرية أو فئوية مضمرة تارة أخرى تحت حماية المؤسسة العسكرية والأمنية.

في العراق، وعقب الإطاحة بالنظام الملكي عام 1958، دخلت البلاد في نفق مظلم من الصراعات الدامية بين القوميين والشيوعيين، وهي الصراعات التي حسمت لصالح التيار القومي منذ عام 1963 فصاعداً، ليستمر هذا النهج الأحادي لـ "سلطة العساكر" التي نكّلت بالكُرد والشيعة وغيرهم حتى سقوط النظام عام 2003 .. لتبدأ حقبة متسلطة فرضت فيها الأحزاب الشيعية هيمنتها المذهبية عبر نظام المحاصصة الطائفية، مما أدى إلى تغلغل النفوذ المذهبي في مفاصل الدولة وإهمال الكُرد والعرب السنة، وتحول الصراع السياسي إلى أداة لترسيخ الانقسام المجتمعي. مخلفة وراءها مجتمعاً مشظىً يفتقر لأدنى مقومات الهوية الوطنية الجامعة.

 

سطوة "العمامة" والاستبداد الثيوقراطي البديل

في المقابل، برز الوجه الآخر لعملة الإقصاء المتمثل في الأنظمة الدينية والمذهبية؛ حيث استغلت قوى الإسلام السياسي خيبات الأنظمة العسكرية وفشلها التنموي لتطرح "العمامة" كبديل مخلص. وتعد الثورة الإيرانية عام 1979 المثال الأكثر وضوحاً على هذا التحول؛ إذ أطاحت بالجهاز الملكي للشاه الذي كان يعاني من استبداد سياسي واجتماعي، لتأتي بنظام "ولاية الفقيه" الإسلامي الشيعي.

هذا النظام الجديد لم يكتفِ بإقصاء القوى العلمانية واليسارية التي شاركت في الثورة، بل صاغ هوية الدولة دستورياً وعملياً على مقاس مذهبي ضيق، واستبدل استبداد الشاه العسكري بإمبريالية ثيوقراطية تقودها "العمامة". مما جعل المكونات القومية الأخرى كالكُرد والعرب والبلوش، فضلاً عن الأقليات الدينية، مواطنين من درجات أدنى، محولاً الجغرافيا الإيرانية إلى بركان دائم من الاحتقان والتوتر الداخلي الذي يصدّر أزماته نحو الجوار الإقليمي.

وعلى الضفة الأخرى، يتجلى الاستقطاب الإسلامي السني كبديل كارثي آخر لـ "العمامة المذهبية"، كما جرى ويجري في المشهد السوري المعقد؛ فبعد عقود من الاستبداد القومي البعثي، تحولت المطالب الشعبية المشروعة بالحرية والكرامة بفعل العنف الممنهج وتدخل المحاور الخارجية إلى صراع قادته فصائل وجماعات تتبنى أيديولوجية إسلامية سنية متطرفة. سعت هذه الجماعات لفرض نظام ثيوقراطي إقصائي بديل لا مكان فيه للتنوع الديني أو المذهبي أو القومي السوري، مما يهدد بتحويل البلاد مستقبلاً إلى ساحة حرب أهلية مفتوحة وتدمير نسيجها الاجتماعي بشكل شبه كامل.

 

مأزق الجمهوريات الزائفة وغياب العقد الاجتماعي

إن المعضلة الأساسية في هذه التحولات تكمن في أن الأنظمة الجديدة التي أعقبت الملكيات، والتي تشدقت بكلمات "الجمهورية" و"الديمقراطية" وحكم الشعب، كانت في واقع الحال أبعد ما تكون عن هذه المفاهيم. لقد استبدلت هذه الأنظمة "الاستبداد التقليدي" بـ "استبداد أيديولوجي عقائدي" أشد فتكاً، متنقلة في حلقة مفرغة بين "عسكرة الدولة" وتطييف المجتمع .

ولم تكن الديمقراطية بالنسبة لكلا المعسكرين سوى صندوق اقتراع يُراد منه شرعنة الغلبة العددية أو المذهبية لمرة واحدة، دون الإيمان بقيمها الجوهرية المتمثلة في التداول السلمي للسلطة، وحماية حقوق الأقليات، وفصل السلطات، وضمان حرية التعبير والمعتقد.

إن غياب النموذج العلماني الديمقراطي الحقيقي الذي يقف على مسافة واحدة من جميع مواطنيه بغض النظر عن انتمائهم العرقي أو العقدي، هو العلة المركزية التي جعلت الاستقرار عصياً على التحقق في هذه الرقعة من العالم. فحين تشعر جماعة قومية أو مذهبية بأن الدولة هي ملكية خاصة لجماعة أخرى تفرض عليها هويتها ورؤيتها الكونية سواء كانت تلك الهوية مفروضة بقوة سلاح "الطربوش العسكري" أو بقدسية "العمامة الثيوقراطية"يصبح العنف السياسي والصراع المسلح وسيلة دفاعية أو هجومية حتمية للبقاء. هكذا تتحول الأوطان إلى ساحات حرب مستمرة، وتغيب التنمية، وينعدم الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.

بناءً على هذا التشريح، يتضح جلياً أن تبرير الفشل المزمن عبر إلقاء اللوم بصورة مطلقة على قوى الاستعمار الخارجي هو ضرب من الهروب من مواجهة الذات والقصور الفكري. لا يمكن لأحد إنكار المصالح الدولية وتقاطعاتها في المنطقة، لكن هذه العوامل الخارجية ما كان لها أن تفعل فعلها التخريبي لولا وجود بيئة محلية هشة ومنقسمة تفتقر للحصانة الوطنية. إن عجز النخب الحاكمة والمعارضة على حد سواء عن إنتاج مشروع "الدولة الوطنية الحديثة" القائمة على فلسفة المواطنة والحياد الديني والعرقي للدولة، هو الذي فتح الأبواب مشرعة أمام التدخلات الدولية وجعل من شعوب المنطقة وقوداً لصراعات لا تنتهي.

 

الخروج من الحلقة المفرغة

وختاما فإن استقرار الشرق الأوسط سيبقى رهين فك الارتباط الحاسم بين السلطة السياسية من جهة، والمنطلقات القومية الراديكالية أو الدينية المذهبية الإقصائية من جهة أخرى.

إن المنطقة بحاجة ماسة لكسر هذه الدورة الأبدية من التناوب بين "الطربوش العسكري" و"العمامة الثيوقراطية" فكلاهما وجهان لعملة واحدة هي "الاستبداد الإقصائي". وبدون شجاعة فكرية وسياسية تؤسس لدول علمانية ديمقراطية حقيقية تحتضن التنوع العربي و الكُردي والتركماني والاشوري والشركسي والارمني والسرياني والكلداني والامازيغي والنوبي وتصون كرامة الفرد بصفته مواطناً أولاً وأخيراً، ستظل المنطقة تدور في فلك الانقلابات وتغيير الوجوه، دون أن تجد سبيلاً نحو الاستقرار والازدهار الحقيقيين.

 

 


مشاهدات 326
الكاتب آريان ابراهيم شوكت
أضيف 2026/07/20 - 3:05 PM
آخر تحديث 2026/07/21 - 3:00 PM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 740 الشهر 22741 الكلي 15927868
الوقت الآن
الثلاثاء 2026/7/21 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير