الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
شخصيات من بلادي.. حافظ الدروبي

بواسطة azzaman

شخصيات من بلادي.. حافظ الدروبي

رائد الإنطباعية العراقية وأستاذ الأجيال

صالح رضا

 

لا تُقاس قيمة الفنان بعدد اللوحات التي أنجزها، بل بما يتركه من أثر في ذاكرة وطنه، وما يضيفه إلى مسيرة الفن من رؤية جديدة وهوية أصيلة. ومن بين الرواد الذين أسهموا في صياغة ملامح الفن التشكيلي العراقي الحديث، يبرز اسم الفنان حافظ الدروبي بوصفه أحد أهم المؤسسين الذين جمعوا بين الإبداع الفني، والوعي الثقافي، والرسالة التربوية، فكان فناناً مبدعاً، ومعلماً كبيراً، وصاحب تجربة تركت بصمتها الواضحة في تاريخ الفن العراقي.

ولد حافظ الدروبي في بغداد عام 1914، ونشأ في مدينة كانت تعيش حراكاً ثقافياً واجتماعياً غنياً، فانعكست أجواؤها على وجدانه منذ سنواته الأولى. ولم يكتفِ بما تلقاه من تعليم في العراق، بل سافر إلى بريطانيا ليدرس الفن في معهد غولدسميث للفنون في لندن، حيث تعرّف إلى المدارس الفنية الأوربية، واطلع على أحدث التجارب التشكيلية آنذاك. غير أن هذا الاحتكاك بالثقافة الغربية لم يبعده عن هويته، بل زاده إيماناً بأن الفنان الحقيقي هو من يجعل من بيئته المحلية منطلقاً لإبداعه.

عاد الدروبي إلى العراق حاملاً رؤية فنية جديدة، وأسهم مع نخبة من الفنانين الرواد في ترسيخ دعائم الحركة التشكيلية العراقية الحديثة. وكان من أبرز أعضاء جماعة الرواد التي دعت إلى استلهام البيئة العراقية، والبحث عن شخصية فنية وطنية تستند إلى التراث، دون أن تنغلق على منجزات الفن العالمي. وقد شكّل هذا التوجه مرحلة مهمة في تاريخ الفن العراقي، كان للدروبي فيها دور بارز ومؤثر.

وعندما يُذكر اسم  الدروبي، تتبادر إلى الذهن مباشرة المدرسة الانطباعية التي ارتبط اسمه بها. لكنه لم يكن انطباعياً بالمعنى الأوربي التقليدي، بل استطاع أن يمنح الانطباعية روحاً عراقية خالصة. فقد كان الضوء في لوحاته ضوء بغداد، وكانت ألوانه تستمد حرارتها من شمس العراق، وكانت موضوعاته تنبض بحياة الناس البسطاء، والأسواق الشعبية، والأزقة القديمة، والمقاهي، والبيوت البغدادية، والوجوه التي تختزن ذاكرة المكان.

امتازت أعماله بحرية ضربات الفرشاة، وبساطة البناء، وصدق التعبير، فلم يكن يهتم بالتفاصيل الدقيقة بقدر اهتمامه بالتقاط اللحظة الإنسانية والإحساس العام بالمشهد. لذلك جاءت لوحاته مفعمة بالحياة، تحمل دفء اللون، وعفوية الحركة، وتوازن التكوين، حتى أصبحت علامة مميزة في الفن التشكيلي العراقي.

ولم يقتصر عطاؤه على إنتاج اللوحات، بل كان من أبرز الأساتذة في أكاديمية الفنون الجميلة، حيث أسهم في إعداد أجيال متعاقبة من الفنانين. وكان يؤمن بأن مهمة الأستاذ ليست أن يصنع نسخاً مكررة من نفسه، وإنما أن يساعد كل طالب على اكتشاف شخصيته الفنية المستقلة. لذلك عُرف باحترامه لاختلاف الأساليب، وتشجيعه للتجريب، وحرصه على بناء الفنان فكراً وثقافةً قبل أن يبنيه تقنياً.

وقد تتلمذ على يديه عدد كبير من الفنانين الذين أصبحوا فيما بعد من الأسماء اللامعة في الساحة التشكيلية العراقية، وكان لي شرف الدراسة على يديه في أكاديمية الفنون الجميلة خلال سنوات الدراسة في ثمانينيات القرن الماضي. وقد لمست عن قرب تواضعه، وهدوءه، وإخلاصه لمهنة التعليم، وهي صفات ظلت حاضرة في ذاكرة كل من عرفه.

إن الحديث عن حافظ الدروبي لا يقتصر على تجربة فنان فرد، بل هو حديث عن مرحلة مفصلية من تاريخ الفن العراقي، كان فيها الفن وسيلة للحفاظ على هوية المكان، وتوثيق حياة الناس، وتأكيد الانتماء إلى الوطن. فقد استطاع أن يجعل من اللوحة وثيقة بصرية تحفظ ملامح بغداد القديمة، وتحمل للأجيال القادمة صورة صادقة عن المجتمع العراقي في زمن التحولات.

ولهذا كان اختياري له ضمن مشروع (شخصيات من بلادي) اختياراً نابعاً من إيمان عميق بقيمته الفنية والإنسانية. فهذا المشروع لا يهدف إلى رسم الوجوه فحسب، بل إلى توثيق الرموز التي أسهمت في بناء الثقافة العراقية، وتركت أثراً لا يمحى في وجدان الوطن. وكان حافظ الدروبي واحداً من أبرز هؤلاء الرواد الذين يستحقون أن تبقى صورهم حاضرة في الذاكرة، تماماً كما بقيت أعمالهم شاهدة على عصرهم.

إن الفنانين الكبار لا يرحلون برحيل أجسادهم، بل يواصلون حضورهم في أعمالهم، وفي الأفكار التي غرسوها، وفي الأجيال التي تتلمذت على أيديهم. وحافظ الدروبي واحد من هؤلاء الذين تجاوزت رسالتهم حدود الزمن، فبقي اسمه مرادفاً للريادة، وللانطباعية العراقية، وللأستاذ الذي منح الفن عمره كله، ولم ينتظر من الحياة سوى أن يرى راية الإبداع تنتقل من جيل إلى آخر.

رحم الله  الدروبي، فقد ترك للعراق إرثاً فنياً وإنسانياً سيبقى منارة للأجيال، وسيظل اسمه مضيئاً في سجل الفن التشكيلي العراقي، بوصفه واحداً من أعظم رواده، وأحد الذين منحوا اللون معنى، وأعطوا للوطن وجهاً يليق بجماله.


مشاهدات 112
الكاتب صالح رضا
أضيف 2026/07/18 - 2:42 PM
آخر تحديث 2026/07/19 - 7:16 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 336 الشهر 20032 الكلي 15925159
الوقت الآن
الأحد 2026/7/19 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير