الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
غاب الجواهري عن تمثاله

بواسطة azzaman

فم مفتوح .. فم مغلق

غاب الجواهري عن تمثاله

زيد الحلي

 

لم أُعر اهتماماً لكل ما كُتب عن تمثال الجواهري الذي أُقيم في شارع أبي نؤاس الأسبوع المنصرم، لقناعتي بأن لكل إنسان رؤيته الخاصة للأشياء، وفهمه الذي تعكسه انطباعاته. وعلى هذه القاعدة، قررتُ أن أذهب لمشاهدة التمثال بعيني.

وقبل أن أصل إليه، وبينما كنت على بُعد خطوات منه، لم أشعر بالارتياح لشكله، لكنني أقنعت نفسي بأن النظرة الخاطفة لا تبني انطباعاً رصيناً. غير أنني، حين اقتربت منه، ودرت حوله مرات عدة، وأمعنت النظر في تفاصيله، مركزاً على الطول، وحركة اليدين، والهندام، والهيئة العامة، تيقنت أن الذي أراه ليس أبا فرات... شاعرنا العظيم محمد مهدي الجواهري.

لماذا، أيها المبدع الكبير نداء كاظم، جاء هذا العمل بعيداً إلى هذا الحد عن حقيقة الجواهري وواقعه؟ إن تقديمه بهذه الهيئة يوحي بأنك لم تُحط بسيرة الشاعر وشخصيته الإحاطة التي يستحقها عمل بهذا الحجم. وأقول ذلك من معرفة شخصية، ومعايشة له في بغداد والنجف وبراغ، فضلاً عن أن طريقة جلوسه ووقوفه، وحتى إلقائه الشعر وحركات يديه وتعابير وجهه، موثقة في مئات الصور وعشرات اللقاءات الصحفية والتلفزيونية. ومع ذلك، لم أرَ في التمثال أثراً واضحاً لتلك الشخصية الآسرة التي عرفها العراقيون والعرب.

شخصياً، تابعت ما نشرته صحيفة الزمان في شهر نيسان الماضي، حين زارت معمل المصاهر التابع لدائرة الفنون العامة، واستمعت إلى تأكيدات بأن إنجاز التمثال سيكون وفق أعلى المعايير الجمالية التي تليق بمكانة الجواهري، الذي خلد اسمه في سجل الإبداع العربي بقصائده الخالدة ومواقفه الوطنية. فهل جاء التمثال حقاً كما كنا نأمل؟

وهنا أنقل تعليق حفيدة الجواهري، السيدة بان فرات الجواهري، التي قالت: «لو تمت مراجعة كل صور الجواهري، لوجدناه دائماً رافعاً يديه إلى الأعلى، فلا أعرف ماذا أراد النحات نداء كاظم من هذا التمثال الذي يبدو فيه الجواهري وكأنه معتقل

ولم تكن السيدة بان وحدها من أعلنت رأياً سلبياً في هذا العمل، فقد أبدى عدد كبير من الأكاديميين والفنانين ملاحظات مهمة بشأنه، منها أن ملامح الوجه توحي بالجمود، بينما كان الجواهري يفيض حيويةً وثورةً وكبرياءً. كما رأوا أن ضم اليدين إلى خلف الجسد أفقد الشخصية كثيراً من حضورها وهيبتها، فيما ذهب بعض المختصين في النحت إلى وجود اختلال في نسب الجسد، ولا سيما في حجم الرأس مقارنة بالكتفين والجذع، فضلاً عن أن حركة المعطف والبدلة بدت غير طبيعية، ولا تنسجم مع التكوين العام للتمثال.

إن تماثيل العظماء ليست مجرد كتل من البرونز أو الحجر، بل هي وثائق بصرية تحفظ ملامحهم للأجيال، وتختزل شخصياتهم في لحظة خالدة. وحين لا ينجح التمثال في استحضار هوية صاحبه، فإنه يفقد أهم رسالة وُجد من أجلها.

رحمك الله، يا سيد القوافي، ويا من بقيت شامخاً في قصائدك، حتى وإن لم ينجح تمثالك في أن يعكس قامتك الحقيقية.

Z_alhilly@yahoo.com


مشاهدات 111
الكاتب زيد الحلي
أضيف 2026/07/18 - 3:08 PM
آخر تحديث 2026/07/19 - 6:57 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 323 الشهر 20019 الكلي 15925146
الوقت الآن
الأحد 2026/7/19 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير