الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
كولنا سانتياغو... وأسماكُ القرش لا تنام


كولنا سانتياغو... وأسماكُ القرش لا تنام

صلاح العذاري         

 

 عند تاملنا في قصة سانتياغو  واسماك القرش  نجد درسا عظيما في الحياة، لا يخسر الإنسان دائماً لأنه ضعيف، بل لأن العالم ليس عادلاً. وهذه الحقيقة هي التي جسدها  في رائعته ، حين جعل من الصياد العجوز سانتياغو صورةً لكل إنسان حمل حلماً كبيراً، ودفع عمره ثمناً له، ثم وجد من يلتهم ثمرة جهده قبل أن يتذوقها.

خرج سانتياغو إلى البحر بعد عشرات الأيام من الفشل. لم يكن يطارد سمكة فحسب، بل كان يطارد كرامته، وإيمانه بنفسه، وحقه في أن يثبت أن العمر لا يقاس بعدد السنوات، بل بقدرة الإنسان على النهوض بعد كل سقوط.

وحين ظفر بالسمكة العملاقة، ظن أن رحلته انتهت، لكنها في الحقيقة كانت قد بدأت. فما إن ربطها إلى قاربه حتى جاءت أسماك القرش، لا لأنها جائعة فقط، بل لأن الحياة كثيراً ما تسمح للقوي بأن يطمع في جهد غيره.

وهنا تبدأ قصة كل واحد منا.

كم من طالب أفنى شبابه في الدراسة، ثم حُرم الوظيفة لأن غيره يملك واسطة؟

كم من باحث قضى سنوات في العلم، ثم سُرق جهده أو همشته المصالح؟

كم من تاجر بنى ثروته بالحلال، ثم التهمتها أزمة أو حرب أو فساد؟

كم من أب وأم أفنيا العمر في تربية الأبناء، ثم جاءت رياح الحياة بما لا يشتهيان؟

هذه هي أسماك القرش الحديثة.

إنها لا تعيش في البحر فقط، بل تعيش بين البشر.

قد تكون فساداً يسرق تعب المخلصين، أو محسوبية تمنح غير المستحق ما يستحقه المجتهد، أو حقداً لا يحتمل نجاح الآخرين، أو حرباً تأتي لتلتهم أعمار أجيال كاملة، أو إعلاماً يصنع من التافه بطلاً، ويجعل الشريف غريباً في وطنه.

لكن أعظم ما في الرواية ليس خسارة السمكة، بل موقف سانتياغو.

لقد قاتل حتى آخر رمق. كلما انكسر سلاح، صنع من يديه سلاحاً آخر. لم يقل إن المعركة انتهت، ولم يلق بنفسه في البحر، ولم يلعن القدر، بل ظل يقاوم لأنه كان يعلم أن الإنسان قد يُسلب ما يملك، لكن لا أحد يستطيع أن يسلبه شرف المحاولة إلا إذا استسلم هو.

وهذا هو الفرق بين الإنسان المهزوم والإنسان العظيم.

المهزوم هو الذي يتوقف عن الإبحار لأنه خاف من الفشل.

أما العظيم فهو الذي يعود إلى البحر، وهو يعلم أن الأمواج قد تغدر به مرة أخرى.

ولعل المأساة في عالمنا أن كثيراً من الناس ينظرون إلى النتيجة فقط. فإذا عاد الإنسان بلا سمكة، قالوا: لقد فشل. لكنهم لا يسألون: كم ليلة قضاها في الصراع؟ كم مرة قاوم؟ كم مرة انتصر على نفسه قبل أن يواجه البحر؟

التاريخ نفسه مليء بأشخاص عادوا من معاركهم خاليي الوفاض، لكنهم تركوا للأجيال معنى الصمود. فليست كل انتصارات البشر تُقاس بما يحملونه في أيديهم، بل بما يتركونه في ضمائر الناس.

ولذلك فإن أخطر "أسماك القرش" ليست تلك التي تلتهم المال، بل تلك التي تلتهم الإرادة. فحين يقتنع الإنسان أن المحاولة لا جدوى منها، وأن الطريق أغلق إلى الأبد، يكون قد خسر أكثر مما خسره سانتياغو.

إن الأمم أيضاً تشبه سانتياغو. قد تبني حضارة، ثم تأتي الحروب فتدمرها. وقد تنتج علماً، ثم يأتي الاستبداد فيبدده. وقد تزرع الأمل، ثم يأتي الفساد ليقتلع ثماره. لكن الأمة التي تعود إلى البحر من جديد هي الأمة التي تستحق الحياة.

 

إن الرسالة الخالدة للرواية لا تقول إن المجتهد يربح دائماً، ولا إن الحياة عادلة دائماً، بل تقول شيئاً أعمق: إن قيمة الإنسان تكمن في شجاعته، لا في حجم غنيمته.

فلا تيأس إن أكلت الحياة بعض أحلامك. ولا تظن أن ضياع ثمرة تعبك يعني أن تعبك ضاع. فما يضيع هو المال، أما التجربة فلا تضيع، وما يضيع هو الربح، أما الكرامة فلا تضيع إلا إذا تخلى صاحبها عنها.

فلنكن جميعاً مثل سانتياغو؛ نبحر كل صباح، ونؤمن أن البحر، مهما كان قاسياً، لا يستطيع أن يهزم قلباً يرفض الاستسلام.

ولعل أجمل خاتمة يمكن أن نهديها لكل من أثقلته الخسائر هي:

قد تأكل أسماك القرش صيدك، لكنها لا تستطيع أن تأكل شجاعتك. وقد تخسر ما صنعت، لكن لا تخسر أبداً القدرة على أن تصنع من جديد. فالحياة لا تكرم من لم يسقط، وإنما تكرم من سقط، ثم قام بصلابة وعنفوان  هكذا هم الاقوياء ٠٠٠٠٠٠٠٠ د - صلاح العذاري


مشاهدات 85
الكاتب صلاح العذاري
أضيف 2026/07/18 - 1:50 PM
آخر تحديث 2026/07/19 - 7:16 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 336 الشهر 20032 الكلي 15925159
الوقت الآن
الأحد 2026/7/19 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير