الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
الإصلاح بين إقتصاد السوق والتعامل الحضاري

بواسطة azzaman

الإصلاح بين إقتصاد السوق والتعامل الحضاري

محمد عبد الجبار الشبوط

 

أعلن رئيس مجلس الوزراء السيد علي فالح الزيدي أن فلسفة الحكومة في إصلاح الاقتصاد العراقي تقوم على “الشروع بصورة قوية باقتصاد السوق، والتخلص من الاقتصاد القديم”. ولا شك أن هذا التصريح يمثل تطورًا مهمًا في التفكير الاقتصادي الرسمي، لأنه يعكس إدراكًا متزايدًا بأن الاقتصاد الريعي الاشتراكي الذي حكم العراق لعقود طويلة لم يعد قادرًا على تحقيق التنمية المستدامة، ولا على توفير فرص العمل، ولا على بناء اقتصاد منتج قادر على مواجهة تحديات المستقبل.

بيروقراطية دولة

إن الاقتصاد الريعي، سواء اقترن بالاشتراكية أو بالإدارة البيروقراطية للدولة، أنتج ثقافة الاعتماد على النفط، ورسخ عقلية الوظيفة الحكومية، وأضعف روح المبادرة والإنتاج، وجعل الدولة تتحمل أعباءً لا تستطيع الاستمرار في تحملها إلى ما لا نهاية.

لكن السؤال الذي يطرح نفسه هو: هل يكون البديل هو اقتصاد السوق بصيغته الرأسمالية التقليدية؟

أعتقد أن الجواب هو: ليس بالضرورة.

فكما أثبت الاقتصاد الريعي الاشتراكي محدوديته، أثبتت الرأسمالية المطلقة هي الأخرى أنها ليست النموذج النهائي الذي وصلت إليه البشرية.

فقد حققت إنجازات كبيرة في الإنتاج والابتكار، لكنها في الوقت نفسه أدت في كثير من البلدان إلى اتساع الفجوة بين الأغنياء والفقراء، وإلى تغليب رأس المال على الإنسان، وإلى تحويل النمو الاقتصادي أحيانًا إلى غاية مستقلة عن العدالة الاجتماعية.

العراق ليس مضطرًا إلى الانتقال من طرف إلى طرف، ولا من نموذج متعثر إلى نموذج آخر يحمل مشكلاته الخاصة. بل يستطيع أن يبحث عن نموذج أكثر توازنًا، يستفيد من منجزات اقتصاد السوق دون أن يقع في سلبياته.

وهنا تبرز فكرة الاقتصاد الحضاري بوصفها رؤية تتجاوز الثنائية التقليدية بين الاشتراكية والرأسمالية.

فالاقتصاد الحضاري لا يجعل الدولة مالكة لكل شيء، كما لا يجعل السوق حاكمًا لكل شيء، وإنما يجعل الإنسان محور العملية الاقتصادية، ويقيس نجاح الاقتصاد بقدرته على بناء الإنسان المنتج، وتحقيق العدالة، وتعظيم الإنتاج الوطني، وصيانة الكرامة الإنسانية.

وفي الاقتصاد الحضاري يكون السوق وسيلة لتنشيط الإنتاج والمنافسة، لا غاية بذاته. وتكون الدولة منظمًا وضامنًا للعدالة وتكافؤ الفرص وحماية المنافسة ومنع الاحتكار، لا مديرًا لكل مشروع اقتصادي، ولا متفرجًا على قوى السوق وهي تعيد إنتاج التفاوتات الاجتماعية.

تنويع مصادر

كما أن الاقتصاد الحضاري ينقل العراق من دولة توزع الريع إلى دولة تنتج الثروة، ومن اقتصاد يعتمد على النفط إلى اقتصاد يقوم على تنويع مصادر الدخل، والصناعة، والزراعة، والتكنولوجيا، والاقتــــــــــــصاد المعرفي، والاستثمار في الإنسان قبل الاستثمار في الموارد الطـــبيعية.

ولذلك فإن الإصلاح الحقيقي لا يبدأ بمجرد إعلان التحول إلى اقتصاد السوق، وإنما يبدأ بتحديد الفلسفة التي تحكم هذا التحول. فالسؤال ليس: هل نريد السوق أم الدولة؟ بل: أي اقتصاد نريد؟ ولأي إنسان؟ ولأي مجتمع؟ ولأي مستقبل؟

إن العراق يحتاج اليوم إلى مشروع اقتصادي جديد، لا يكرر تجارب الماضي، ولا يستنسخ تجارب الآخرين، بل يستلهم خبرات العالم ويصوغ نموذجًا وطنيًا ينسجم مع حاجات المجتمع العراقي وتطلعاته.

وأعتقد أن الاقتصاد الحضاري يمثل أحد أكثر النماذج قدرة على تحقيق هذا الهدف، لأنه يجمع بين الحرية الاقتصادية والعدالة الاجتماعية، وبين كفاءة السوق ومسؤولية الدولة، وبين تعظيم الإنـــــــــــتاج وصيانة الكرامة الإنسانية.

إن الانتقال من الاقتصاد الريعي ضرورة، لكن الأهم من الانتقال هو معرفة الوجهة التي نتجه إليها. فالنجاح لا يتحقق بمجرد مغادرة الطريق القديم، وإنما باختيار الطريق الصحيح.

 


مشاهدات 111
الكاتب محمد عبد الجبار الشبوط
أضيف 2026/07/01 - 4:54 PM
آخر تحديث 2026/07/02 - 7:49 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 404 الشهر 1467 الكلي 15906594
الوقت الآن
الخميس 2026/7/2 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير